المراد به هنا حتى نضع الحروف على نصابها منذ البداية وهو مفهومنا للمثقف العربي في هذا العصر العربي الحالك الهزيل ثقافيًا وثوريًا وفكريًا . المثقف بنظرنا هو مقياس لدرجة الوعي الاجتماعي الذي يحسه ذاك المثقف ومن ثم دوره الاجتماعي وتأثيره على مسيرة المجتمع نقدا وتقييما وارشادا وتوعية، هادفة الى ايصال ذاك المجتمع الى الطريق السليم بهدف التغيير الى الأفضل. المراد به في حالتنا هذه انطلاقة هذا المجتمع في شق طريقه المستقبلية مع المجتمعات المتقدمة السائرة في القرن الواحد والعشرين والتي أحدثت ثورة في فكرها وفي طريق فهمها للحياة العصرية. لقد كان المثقف منذ بداية الحضارات رسول المجتمعات وحامل أمانتها وسرها الوجودي الكبير في بقائها وتطورها وتقدمها . لا بد لنا في هذه العجالة أن نميز بين المثقف والمتعلم أو صاحب اللقب الأكاديمي . يمكن أن يكون المثقف عاديا وليس صاحب شهادة جامعية. استمد ثقافته ووعيه الاجتماعي بحسه الفطري ونظرته الثاقبة لما يدور حوله مُستنيرًا بما خلّفه المثقفون السابقون وما حَفظته الأجيال والذاكرة الجماعية في مسيرة المجتمع الى الأمام.
اذ ان المجتمع بالأساس هو المرجل للأفكار التقدمية ولا نقول الثورية بمفهومها الكامل لأننا حتى هذه اللحظات نحن العرب أثبتنا بالتجربة أننا لا نجيد فعل الثورة بمفاهيمها الكاملة التي يعرفها البشر لأسباب كثيرة ربما سنأتي على ذكرها في فصل مقال آت. تلك الأفكار الثورية هي بدورها تُكون العوامل الأساسية في صهر بوتقة ذاك المجتمع وتكوين صيرورته وطريق مسيرته الى الأمام. الواقع يقول إن المثقف ليس من أحسن القراءة والكتابة وحصل على شهادة جامعية عالية فهناك أميون من بين حملة الشهادات الجامعية ونعرف للأسف الكثير منهم شخصيًا .
الفرق الرئيس بين المثقف وغير المثقف في هذه الحالة حسب رأينا المتواضع هو وعيه الاجتماعي والسياسي ودوره في المجتمع سواءً أكان عاملا بسيطًا في مصنعه أم فلاحا قرويًا في حقله أو أستاذًا جامعيا خلف كتدرائيته في حرمه الجامعي.
الأنظمة السياسية العربية القمعية بعد مرحلة التحرر الوطني من الاستعمار بمجملها مارست على المثقف العربي عملية " الخصْي الفكري" وهو العاجز أصلا سياسيًا واجتماعيًا . أقلام واعدة ونجوم كثيرة شَعَت في مسيرة قشع الظلام والظلامية من سماء أفقنا العربي هَوت في سبيل لقب أو جاه أو مال ورفعت بدورها سوط السلطان المُسلط على رقاب الفكر العربي التقدمي وعلى رموز هذا الفكر في العالم العربي الكبير.بعد هذا نسأل السؤال الوجودي الذي يحيرنا كل مرة من جديد أين هم المثقفون العرب ؟؟؟ كيف سَمحوا للفكر العربي أن يصل الى هذا المستوى الهابط ؟ كيف سمحوا بقتل النفوس العربية بهذه البشاعة ؟ كيف سَمحوا بتدمير حضارات العرب ورموزها ؟
صباح الخير الى كل المفكرين والمثقفين العرب التقدميين الثوريين الذكور منهم والاناث في كل مكان يصله بساط الريح، مُنطلقا من قلب العروبة النابض، من دمشق الشام .
