هيكل تحت الغبار

single

اخترع الموساد قصة تقول إنه استطاع بالتنسيق مع المخابرات الأردنية الحصول على عينة من بول الرئيس حافظ الأسد أثناء مشاركته في تشييع الحسين وأن هذه العينة جرى تحليلها للكشف عن مرضه، وروّجت الصحافة الإسرائيلية القصة


ترددت قبل أن أكتب هذه السطور فقد جذبني التردد إلى ساحته وسألت نفسي مرارا لما أتناول شخصية لها كل هذا الوهج في تاريخ الصحافة العربية وكيف أنجو من تأويل الشطار الذين لديهم طريقة عجيبة في تفسير الكتابة وربطها دائما بنظريات ساذجة وتأويلات عجيبة ، ومع ذلك قررت أن أكتب على قاعدة افعل ما تشعر في أعماق قلبك بأنه صحيح لأنك لن تسلم من الانتقاد بأي حال .. خلال عقود قرأت كل ما وقعت عيني عليه للكاتب والصحافي الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل من مقالات ومقابلات وتصريحات وكتب وقرأت أيضا كل ماتيسر لي مما كتب عنه وأعجبت فيه ومازلت رغم هذا الذي لابد من قوله عنه فقد دونت في دفتر ملاحظاتي أكثر من مرة بعض الهوامش حول اخطاء الرجل: المرة الأولى كانت بعد أحداث أيلول التي ضربت نيويورك فقد كتب هيكل مقالة في مجلة وجهات نظر المصرية شرح فيها كيف أن الصرب هم الذين فعلوا هذه الجريمة وشرح الرجل في تلك المقالة نظريته الغريبة من غير أن يشعر ولو للحظة أنه اخطأ وأن تلك الجريمة البشعة تحمل بصمات القاعدة وقد أعلنت بعد ذلك مسؤوليتها عنها وبالتوازي كما بات معروفا كشفت الأجهزة الامريكية المختصة أسماء المشاركين في تلك الواقعة بعد حفلة جنون امبراطوري عنصري لم تنته تداعياتها حتى الآن.
والمرة الثانية التي تسجل على هيكل  كانت عندما زار الرئيس الراحل حافظ الأسد العاصمة الأردنية عمان للمشاركة في تشييع الملك حسين حيث شكل حضوره مفاجأة للجميع الذين أدهشوا وقتها من الطريقة التي شارك فيها الأسد والترتيبات الخاصة والدقيقة التي أنجزتها مكنة التنسيق السوري الأردني كي لايختلط الأسد بشخصيات اسرائيلية حضرت للمشاركة في التشييع وقد حرك الموساد الاسرائيلي طواحين الكذب كعادته للتشويش واشغال الرأي العام العربي بفيلم أكشن من النوع الرديء ، فقد اخترع الموساد قصة مختلقة تقول ان اسرائيل بالتنسيق مع المخابرات الاردنية استطاعت الحصول على عينة من بول الرئيس حافظ الأسد الذي استخدم الحمام في القاعة التي خصصت له أثناء المشاركة في التشييع وأن هذه العينة جرى تحليلها للكشف عن مرض الرئيس حافظ الأسد الذي كانت لصحته وقت ذاك أهمية خاصة بالنسبة لمستقبل المنطقة ، طبعاً الموساد مرر القصة إلى إحدى الصحف الإسرائيلية والتي بدورها مررتها لوسائل اعلام عديدة تناقلتها لضرب عدة عصافير بحجر واحدة : التشويش على مشاركة الأسد والتقاطه اللحظة المناسبة لتصحيح العلاقات مع حاكم الأردن الجديد ، وضع ملف مرض الرئيس الاسد على الطاولة ودفع العديد من وسائل اعلام لتناوله ، رسم صورة اسطورية لقوة الموساد الإسرائيلي وغير ذلك.
وكانت المفاجأة الكبرى أن هيكل بكل مالديه من قرون استشعار طويلة وقع في الفخ وتبنى الرواية المفبركة بالكامل ، وحين مررها فيما بعد في مقال في مجلة وجهات نظر لم يقل ان وسائل اعلام  قالت كذا وكذا بل تبنى الرواية بالكامل وقال لديه معلومات خاصة ومن مصادر لايرقى إليها الشك تفيد بأن الموساد نجح في اختراق الترتيبات الخاصة بالزيارة المشار إليها ونجح في الحصول على عينة من بول الرئيس حافظ الأسد ولم يكن يعرف هيكل حقيقة واحدة وهي ان الرئيس حافظ الأسد المعروف بحذره الشديد وصبره المشهود له به  لم يستعمل الحمام مطلقا في تلك الزيارة وقد سألت المرحوم جبران كورية المستشار في قصر الرئاسة السورية آنذاك والذي كان يرافق الرئيس في زياراته وكانت تربطني به صداقة مميزة سألته عن الواقعة بعد وفاة الرئيس الأسد وتقاعد الاستاذ جبران فقال ( الرئيس الاسد لم يدخل إلى الحمام في عمان في تلك الزيارة ) بالطبع عرفت جبران كورية عن قرب طوال ربع قرن وقد كان يتسلح بالصمت ولا يجيب إذا كان الأمر يتعلق بالرئيس الأسد ويكتفي بابتسامة خفيفة ثم يمضي إلى حديث آخر ولكن يومها كانت إجابته قاطعة وقال بالحرف (كنت إلى جانب الرئيس طوال الوقت والقصة مفبركة)، سألته لما لم يصدر بيان رسمي ينفي مزاعم الموساد ، قال كورية: الرئيس الراحل ابتسم عندما علم بالأمر وقال لا تنجروا إلى لعبة الرد على الموساد عبر الاعلام لأن الرد سيعطيهم ذريعة للاستمرار في فبركة المزيد من القصص، هم يعرفون أنهم يكذبون والرأي العام لا يصدق ما يصدر عن اسرائيل، قلت له هل قرأت ما قال هيكل؟ قال: مؤسف.. مؤسف ما كتب!.
وثمة أمثلة أخرى استوقفتني مثل روايته لوقائع القمة الأخيرة التي جمعت في موسكو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بالرئيس السوفياتي بريجينف وكيف أخرج هيكل من الاجتماع ثم قرأت الرواية من مصدر آخر ولاحظت الفروقات الكبيرة بين الروايتين ، طبعا  لا أريد الآن التفصيل هنا كي لا أطيل ولكن أشعر بالحزن كلما شاهدت هيكل على الجزيرة يعيد من غير كلل أو ملل وقائع علاقته مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر على ضفاف مأساة حزيران ، توقف التاريخ عند الصحافي محمد حسنين هيكل عام 1967 و كأن كل ماحدث بعد هذا التاريخ لايعنيه .. لم تحتل الولايات المتحدة العراق ولم تجتاح اسرائيل لبنان وتندحر ولم تشل المنطقة وتقسم بين ( معتدل ..!) و ( مارق..!) وفق مقياس بوش وفريقه من أكلي لحوم البشر، ولم تحاصر سوريا وتبتز وتسلط على رقاب أهلها سيوف مجلس الامن وحرابه ولم تكبل الجزائر وتفرخ في جنباتها غيلان التطرف ولم يوضع السودان على طاولة التقسيم .. ولم .. ولم ، مازال هيكل عند حدود الهزيمة أو قبلها يتأمل من فتح باب السيارة للنقراشي باشا عندما استدعاه الملك فاروق وأثر ذلك على التاريخ الحديث .. من يهتم الان لمثل هذه القصاصات التي يخرجها من عبه كالساحر الذي شاخ ولم يتطور ، لقد تطور وعي الجمهور ولم ينتبه الأستاذ الكبير إلى ذلك لقد دخلنا مرحلة معرفية غير مسبوقة وما زال الرجل يدفن رأسه في التاريخ ، نعم .. نعم  لقد كان الكاتب الكبير في وقت من الأوقات داخل المطبخ السياسي في قصر عبد الناصر وكانت لديه معلومات ومعلومات تجعله يسطر صفحات التاريخ من غير خوف ولكن بعد ذلك تغير الوضع وأصبح ينزلق رويدا رويدا نحو الخيال مرة ونحو الاجترار مرات ومرات والفرق كبير بين أن تعرف الحقيقة أوتتخيلها ، لا شك بأن هيكل كاتب كبير .. كبير إلى درجة لاتسمح لمستجد مثلي برفع يده لقول ملاحظة ما ، ولكن كلما لمحته على قناة الجزيرة يستغرق في تكرار ممل لأحداث أكل الدهر عليها وشرب أراه صوتا يعلوه الغبار.

 

* كاتب سوري مستقل (محرر "شام برس")

قد يهمّكم أيضا..
featured

كلمة تقدير ومحبة لروح د. جابي برامكي

featured

سوريا الصخرة التي ستسد بوابة الانهيار العربي

featured

إنْ شــاءَ اللـه

featured

جدي من هذه المدينة

featured

أكتوبر والثورة الثقافية السوفييتية

featured

لمنع تكرار سيناريو 2000!

featured

ليس في مصلحة المستقبل العربي والجماهير العربية غياب ثقافة النضال الطبقي عن الساحة العربية

featured

لم يسقطوا من السماء !