المشروع الوطني الفلسطيني: عقم المقاربات والتباس المآلات!

single

المواجهة الفعلية مع الاحتلال تبقى الأساس

*لا يصعب الاستنتاج مما سبق أن الانقسام الفلسطيني يضعف قدرة الفلسطينيين على اقتناص الفرص ناهيك عن تجنب التهديدات المتوقعة في حالة تفاقمت الأوضاع في الإقليم، وبالطبع، ليس معنى ذلك أن وحدة الفلسطينيين في هذه الآونة سترد عنهم كل المخاطر وتجلب لهم المكاسب المنشودة، لكنها قطعاً تستطيع أن تقلل من الخسائر المحتملة. والحقيقة*

على ما يبدو تنعقد في سماء المنطقة والإقليم سحب كثيفة وقاتمة تنذر بعواصف خريفية غير مسبوقة. وبالتالي فمن الحكمة طرح تساؤل يتعلق بما يمكن أن يؤول إليه الوضع الفلسطيني في سياق لحظة سياسية حاسمة في تاريخ المنطقة
. استناداً إلى قواعد المنطق البسيط لا يصعب تصور ثلاثة احتمالات من الممكن أن يكون عليها هذا الوضع: الاحتمال الأول هو بقاء الوضع على ما هو عليه في غضون السنوات القليلة القادمة، والاحتمال الثاني أن يزداد سوءاً وتردياً، والاحتمال الأخير أن يطرأ تحسن طفيف عليه. وقبل أن نخوض في فحص هذه الاحتمالات سوف أقترح بعض المتغيرات القياسية أو المعيارية للحكم على مدى التغير الذي سيطرأ على الحالة الفلسطينية سلباً أو إيجابا: استعادة الوحدة الوطنية (تكريس الانقسام)، إحباط المخطط الإسرائيلي الهادف إلى الإجحاف بفرص حل الدولتين (نجاح إسرائيل في خلق وقائع جديدة على الأرض)، تحسن الأوضاع الإنسانية، الاقتصادية والاجتماعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة (تدهور مضطرد في مؤشرات الصمود والجدارة).

ومع إدراكي أن الوضع الفلسطيني الناشئ في غضون الأشهر أو السنوات القليلة القادمة يتعين بناء على تضافر ثلاثة عوامل ومؤثرات، العامل الدولي والإقليمي، العامل الإسرائيلي، والعامل الذاتي الفلسطيني، فسأقصر مقالتي هذه على فحص ونقد العامل الفلسطيني (وأقصد على وجه التحديد السلوك السياسي الفلسطيني وما يضمره من افتراضات ورهانات).


*انقسام وخسائر*


ولعل أول ما يلفت الانتباه، أن العامل الذاتي بات رهناً للعاملين الآخرين بصورة شبه كاملة وغير مسبوقة! وأنه لا يدخل في حالة جدل واشتباك معهما بقدر ما يتماهى (في الخطاب والممارسة) مع مقتضيات هذا العامل أو ذاك. ومعروف أن حالة الجدل والاشتباك تفترض الوقوف على بينة مما يتضمنه الوضع الدولي والإقليمي والإسرائيلي من فرص وتهديدات، والبحث عن هوامش للفعل والمناورة والتأثير (بغية تقليل المخاطر وتجنب الخسائر على أقل تقدير). كما تفترض هذه الحالة الوقوف على بينة (دون تهويل أو تخويف) من عوامل القوة الذاتية المتاحة وأسباب الضعف الكامنة لدينا في مواجهة تأثيرات العوامل الخارجية.

لم يقع الانقسام بين الفلسطينيين لأسباب ذاتية تتعلق بهم فحسب، غير أنه ما كان له أن يقع وأن يستمر وأن يتكرس لولا وجود محرضات خارجية: دولية وإقليمية وإسرائيلية بالأساس. أما استعادة الوحدة في صفوفهم فبمقدورها أن تنجم عن إرادة ذاتية بالرغم من وجود هذه المحرضات، وربما إمكانية اشتدادها في قادم الأيام! بمعنى إذا كان بمقدورنا تفسير الانقسام بتأثير الخارج، فإن مسؤولية استعادة الوحدة تقع على الفلسطينيين وحدهم بالضرورة. ينطوي سلوك قيادة المشروع الوطني المنقسمة على ذاتها على افتراض خاطئ؛ الاعتقاد بأن الاستقواء ب أو التماهي مع، محاور الصراع الإقليمي يمكن أن ينجم عنها استعادة الوحدة المشروخة أو إعادة بناء الإجماع بإخضاع طرف لإرادة الطرف الآخر. هذا الافتراض خاطئ لسببين: مقتضيات صراع القوى والإرادات الإقليمية تشترط بقاء الانقسام في صفوف الفلسطينيين، على الأقل حتى تحين لحظة الحسم التي ستفضي إلى ولادة نظام إقليمي جديد.

والسبب الثاني يكمن في أن خوض الفلسطينين معركة الإقليم منقسمين لن يفضي أبداً إلى وحدتهم وضمان حقوقهم كجماعة سياسية واحدة. وعلى ذلك يمكن الزعم أن جديد الإقليم لن يحمل للفلسطينيين بشائر الوحدة ناهيك عن تحقيق الحقوق، ولعل الأمر يحمل أخطر من ذلك، أي إيقاع خسائر جسيمة تتعلق بحقوقهم ومقومات وجودهم وصمودهم (بدءاً بتوجيه ضربات مباشرة قاصمة لوجودهم المادي على الأرض، وانتهاء بتبديد طموحاتهم وتذويب هويتهم في إطار كيانات كبيرة أو صغيرة يجري توليدها في إطار النظام الإقليمي الجديد).

كيف يواجه الفلسطينيون المخطط الإسرائيلي على الأرض، والهادف إلى تقويض حل الدولتين والإجحاف بفرص تحقق الشرط التاريخي والموضوعي للمطالبة بحل الدولة الواحدة؟ كيف نواجه الاستيطان وتهويد القدس والحصار والتدمير المنهجي لمقومات البناء والمأسسة، القتل والاعتقال والمداهمات وغير ذلك من الممارسات؟ بالطبع لا يمكن مواجهة ذلك بانقسامنا وباستمرار خلافاتنا الداخلية، كما لا يمكن ذلك ونحن نسهم في إضعاف قدرة المواطن الفلسطيني على الصمود والمواجهة، وبالتأكيد فإن مفاوضات على النحو الذي تجري فيه ومقاومة على الشكل الذي تمارس به، ليس بمقدورهما أن تواجها هذه الممارسات، أو حتى بعضها، ناهيك عن طرد الاحتلال جملة وانتزاع حقوقنا المشروعة، لماذا؟: إسرائيل تأقلمت مع وتيرة السلوك الفلسطيني وأشكاله وباتت قادرة على توظيف نتائجه لمصلحتها والتغطية على مزيد من ممارساتها وتبريرها أمام الرأي العام الإسرائيلي والدولي إلى حد كبير، يخوض المفاوض الفلسطيني معركته على الطاولة فقط، وهو لا يأخذ بعين الاعتبار والجدية عوامل القوة الفلسطينية الفعلية (رزمة قرارات الشرعية الدولية، وضوح الممارسة الإسرائيلية بوصفها انتهاك سافر لمنظومة القوانين والأعراف الدولية، الوجود المادي المتنامي لنصف الشعب الفلسطيني على أرض فلسطين التاريخية، صعوبة الاندماج في الإقليم والتمتع بعلاقات سليمة مع دوله دون موافقة الفلسطينين وقبولهم، القدرة الهائلة على تحمل الشدائد والاستعداد الكبير للتضحية، والإمكانات الفعلية والمحتملة لاجتراح المفاجآت والمعجزات على غرار الانتفاضة الأولى). تمارس بعض القوى أشكال المقاومة العنيفة دون احتساب عقلاني لنقاط ضعفها وضعف السياق العام غير المواتي (غياب الظهير العربي الداعم، ردود الفعل الإسرائيلية الشرسة التي توقع أذى يفوق بكثير مردود أي عملية مهما كانت درجة نجاحها، انعدام فرص تطورها التراكمي، خضوعها لحسابات فئوية غالباً، افتقارها لعنصر الإجماع الشعبي المساند، ...). هذا علاوة على أوجه الضعف البنيوي في طبيعة هاتين الإستراتيجيتين: أولاً محدودية استخدام القوة وإمكانية تحقيق الحسم العسكري للصراع، وبالنسبة للتفاوض ينطوي على فرضية حدوث الصفقة والتنازل المتبادل بالضرورة، ولما بات الطرف الفلسطيني فاقداً لكل شيء (بما في ذلك قدرته على رفض المفاوضات)، فلم يعد لديه ما يقدمه لخصمه سوى وثيقة استسلامه. ولما كانت إسرائيل ستحرص كل الحرص على تحقيق أقصى قدر من المكاسب في إطار الصراع الإقليمي الدائر، فستعمل بالضرورة على الاستفادة مما يحدث على طاولة المفاوضات أو في بعض أزقة الضفة الغربية من إطلاق الرصاص، أو إطلاق الصواريخ على بلدات إسرائيلية مجاورة لقطاع غزة، وخصوصاً في تحديد مصائر هاتين المنطقتين، في إطار أي حل إقليمي، بما يخدم أهداف المشروع الصهيوني.
 

*أزمة، موضوعيًا*


أما بالنسبة للمتغير الثالث، أي الوضع الإنساني، الاقتصادي والاجتماعي، فلا يمكن توقع حدوث تحسن ملحوظ إلا في ثلاث حالات: (1) قطع الطريق على استخدامه كأداة ابتزاز/ضغط سياسي من قبل الفاعلين الداخليين والخارجين ذوي الصلة بالموضوع (ميزانية السلطة ورواتبها، أزمة الكهرباء، انعدام فرص العمل وتأمين سبل العيش الكريم والمستدام، التمويل المشروط)، وهذا غالباً لن يحدث، فالسياسة في نهاية المطاف تعبير مكثف عن الاقتصاد، والتلويح بلقمة الخبز أيسر السبل المعروفة في التأثير على القرار والإرادة، فهذا نتنياهو يتبنى شعار الاقتصاد مقابل الأمن، والعرب يمتنعون عن التمويل خارج إطار ما هو مسموح به دولياً أو أمريكياً على وجه التحديد، وحتى الوظائف وتقديم المعونات يجري تسييسها من قبل الأطراف الفلسطينية ذاتها، ناهيك عن استشراء مظاهر الفساد بأشكاله.

(2) في حال أفضت المفاوضات الجارية، وبإرادة جماعية من كل أطرافها، إلى حل، فسيناط بالبعض دور تقديم الرشوة الاقتصادية أو تمويل هذا الحل (البعض يتحدث عن 40 مليار دولار، ويبدو أن من بين أغراضها حل مشكلة اللاجئين حيث هم أو بإعادة توطينهم في كيانات ناشئة ومحتملة)، وهذا الاحتمال ضعيف لسببين: صعوبة التوصل إلى مثل هذا الحل السياسي الذي تقبل به كل الأطراف، والسبب الثاني أن الرشوة بطبيعتها ستكون لمرة واحدة ولا تحظى بعنصر الاستدامة ناهيك عن عنصري الكفاية والالتزام. (3) في حال توحد الفلسطينيون بإرادتهم وتبنوا إستراتيجية شاملة وملزمة بما في ذلك ما يتعلق بإدارة شؤون الحكم والمجتمع (محاربة الفساد، ترشيد الإنفاق، تعزيز بنية الإنتاج، تعبئة الموارد المحلية وتطويرها والبناء عليها، التكافل الاجتماعي وتفعيل إستراتيجيات التكيف الإيجابي على مستوى الأسرة والمجتمع). من المتوقع ألا يطرأ تحسن في هذه الحالة، ولكن من المؤكد أن تدهور الأوضاع الإنسانية سيتوقف، وسيشعر الجميع بأنه يشارك، عن قناعة، في جهد وطني شامل يهدف في نهاية المطاف إلى تحقيق التطلعات الوطنية في التحرر والاستقلال والديمقراطية والتنمية.

لا يصعب الاستنتاج مما سبق أن الانقسام الفلسطيني يضعف قدرة الفلسطينيين على اقتناص الفرص ناهيك عن تجنب التهديدات المتوقعة في حالة تفاقمت الأوضاع في الإقليم، وبالطبع، ليس معنى ذلك أن وحدة الفلسطينيين في هذه الآونة سترد عنهم كل المخاطر وتجلب لهم المكاسب المنشودة، لكنها قطعاً تستطيع أن تقلل من الخسائر المحتملة. والحقيقة، أن الانقسام ليس هو المقولة المفسرة في هذه المعادلة المعقدة، فهو في حاجة أيضاً إلى تفسير: لماذا يصر الفلسطينيون على انقسامهم رغم كل ذلك؟ وفي هذه العجالة سأقترح مقولة أخرى للتفسير؛ أزمة قيادة المشروع الفلسطيني المتمثلة في غياب حسها التاريخي ورجحان حساباتها الفئوية على حسابات المشروع، وفي قصورها المعرفي وفي فقدانها الدعم الشعبي والإسناد الجماهيري (الانقسام عليها وحولها هو السمة الغالبة اليوم).


*تهافت القيادة!*


غالب الظن، أن القيادة الفلسطينية كانت في كل المراحل التي مر بها مشروعهم الوطني مأزومة بالمعنى الموضوعي، فهي لم تأتِ أو تولد تعبيراً عن تطور شعبها ومجتمعها (التمايز السياسي، التطور الاقتصادي). وجد الفلسطينيون أنفسهم منذ ما قبل النكبة بوصفهم جماعة على وشك الاختلاف دوماً حول كل شيء، لم تعط لهم فرصة التطور الطبيعي كمجتمع سياسي ومجتمع مدني وظل حقلهم وبيدرهم محط تدخلات فظة ومباشرة من قوى إقليمية وصلت إلى حد تعيين قيادات لهم أو فرض سياسات بعينها عليهم. وكان من الطبيعي أن تتعدد المسارات وتختلف الاجتهادات وتتنوع البرامج والمشاريع والمشارب، إلى أن وصل الأمر إلى أن ترى قيادات نافذة أن المصلحة الوطنية تقتضي الانقسام، بل وتعمل على حدوثه ومن ثم تكريسه، بينما تفشل قيادات أخرى في تأمين مقومات بناء الإجماع وضمان قبول الفلسطينين جميعهم باجتهاداتها وسياساتها، إما لفقدان الكريزما أو ضعف الحجة أو قصر النظر. إذن، نجاح الفلسطينين في الخروج من مأزقهم الراهن ودرء مفاسد محتملة في ظل الصراع الإقليمي لم يعد مرهوناً بالعودة عن انقسامهم، وإنما بتقويم أداء قياداتهم وتوليد زعامات ملهمة، وهي للأسف عملية تاريخية معقدة لا يمكن الركون إلى نتائجها في المستقبل القريب، وغالب الظن أن تهافت القيادة الحالية يؤسس لولادة قيادات أكثر تهافتاً وأقل حساً بالمعنى التاريخي لقضية تبقى رغم كل شيء أكبر من المتنطعين لقياداتها في زمن عاصف. لن تولد القيادات الحقيقية إلا في أتون المعارك الحقيقية لا المعارك الوهمية؛ لدينا ثلاث ساحات معارك واقعية ومتخيلة ومحتملة: التفاوض ولن ينجم عنه ولادة قيادات تنتزع الحقوق وترغم الأعداء على النكوص، المقاومة الارتجالية ولن تجلب إلا قيادات تمتلك من عنجهية الخطب أكثر مما تمتلك من مهارات الزعامة القادرة على إدارة الواقع، وتبقى الساحة الوحيدة القادرة على إنجاب القيادات وتحقيق الحقوق: المواجهة الفعلية مع المشروع الصهيوني على أرض فلسطين التاريخية والتي تقتضي حكماً بقاء الفلسطينين على أرضهم وعدم زعزعة وجودهم رغم كل شيء.

 


*عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني

قد يهمّكم أيضا..
featured

وداعًا أبا فرح. وداعًا يا طيّب

featured

الشاعر والكاتب الشيوعي حنا إبراهيم (2-2): من غبار المحاجر إلى ساحات النضال المباشر

featured

رمضان شهر والفضيلة دهر

featured

هل أعددنا العدّة للانتخابات القادمة؟

featured

تصعيد يميني يستدعي التصدّي

featured

المؤتمر 10 لحركة النهضة: ماذا وراء الأكمة؟

featured

امتحان واشنطن أمام كوبا

featured

طوق نجاة لحكومة نتنياهو!