في زمن قلّت فيه المواقف الوطنية وعزّ فيه الوطنيون، زمن الخوف والرّهبة وسيف السّلطة والحكم العسكري المصلت على الأعناق، عشت أبا فرح، غير هيّاب ولا خوّاف، عشت مثقلا بالمسؤولية وبالإخلاص وبحب شعبك، فناضلت على أكثر من جبهة متسلحًا بفكر نيّر استقيته من مواقف حزبنا الشيوعي، الذي آمنت بمبادئه وبنضاله الذي لا يلين. تعددت مواقفك أبا فرح كتعدد جراحنا والقضية واحدة، وقفت مع المعلم العربي المضطهد في نضاله وقدت كتلته الديمقراطية الوطنية لسنوات كثيرة بهمّة لا تعرف مللا ولا كللا. ووقفت مع الحزب ومن ثم مع الجبهة في قيادة معاركه الانتخابية، وكلك أمل طافح بالنصر، وايمان راسخ بصدق الدّرب، فكانت لك من جراء ذلك معارك فكريّة كثيرة خضتها فخرجت منها أكثر قناعة بمواقفك وبعملك. كما كرّست الكثير من حياتك للدفاع عن مصالح الطائفة العربية الأرثوذكسيّة الوطنيّة، فكتبت الكثير عن تلك المصالح ومثلتنا في العديد من الجمعيات والهيئات وناضلت ضد الاستعمار الاكليريكي اليوناني الذي باع الأرض وبذّر الأموال.
هكذا كانت حياتك العامة مواقف وتضحيات ونضالا ومعارك وطنيّة. من هنا كان رحيلك المفاجئ عنّا قاسيًا. عشت أبا فرح وعشنا معك أزمنة العهر والقهر، أزمنة انقلبت فيها المفاهيم، فالتضحية صارت عند البعض بذاءة، والخدمة المجانيّة صارت سقوطًا، والعمل الدؤوب صار شتائم، والمواقف المشرفة صارت خيانة، والاخلاص صار تسيّبًا، والسهر على المصلحة العامة صار جريمة. أما هكذا هاجمَنا، وجعلوك مركز الهجوم، المزيّفون رجال السلطة وأعوانها. ولكن ما ضرّ الورود وما عليها اذا المزكوم لم يطعم شذاها. شعبنا يعرفك جيّدًا أبا فرح ويعرف كيف يميّز، فنم قرير العين. أجيال شعبنا منك ومن رفاق دربك تعلمت الصّمود والتحدّي والاصرار والوقوف وقفة الرجل الواحد ضد كلّ ألوان القهر والنفاق والعهر. منك ومن رفاق دربك تعلّموا معنى الوطنيّة الصّادقة والاخلاص والوفاء لهذا الشعب. منكم تعلّموا الصبر على الشدائد والثّبات من أجل بناء مستقبل زاهر تتحقق فيه الآمال والتطلّعات.
فارقتنا أبا فرح دون وداع ولا انذار، لا بأس وكفاك أنك كنت حقًا معلّم الأجيال ومثقفها. كنت البيادر الفسيحة التي كم حبا صغارنا عليها حتى اصلب عودهم واستنسروا. كنت عنوان التضحية على جميع الجبهات سياسيًا / تربويًا / ثقافيًا / تعليميًا / اجتماعيًا، تجربتك الواسعة أحلّتك في قلوب شعبنا منزلة عالية فصرت كالكوكب المشعّ ينير عتمة الطريق وحلكة هذا الزمن الرديء. لقد آمنت بالعمل وآثرته على القول فوصلت الى هذه المكانة في قلوب طلابك وأصدقائك ومحبّيك. آمنت بالتحدّي وبالصّبر فعرفت أن من رام النجاح عليه أن يلعق الصّبرا. آمنت بثوابت لا تحول ولا تزول وبأسس وقيم لا أسمى ولا أرفع رضعتها من تجارب شعبك ونقلتها للآخرين فذوّتوها.
لا بأس عليك أبا فرح، نم قرير العين لأنك اتخذت في حياتك وفي مسيرتك المشرّفة خدمة شعبك عنوانًا، ورفع مكانته بوصلة كي تنقذه من المستنقع الآسن العالق فيه، فنذرت نفسك عاملا لا يستكين ومن أدرى منك بأن طريقًا كهذا شائك وعر لذلك دفعت الثمن غاليًا ولكنك دفعته قانعًا راضيًا، اذ لا بدّ من ابر النّحل. عشت على مبادئ راسخة واثقًا من عملك لا تترّفع ولا تتسامى، لا تغتّر ولا تنخدع بقولهم حسناء، متواضعًا على كبرياء، قانعًا على طموح. انطلقت منذ حداثتك لا ترضى الا بالقمم، لا تتذّمر ولا تتشكّى، لا تتململ ولا تتوجّع ولا تتشهّى ولا تهتز أو يرف لك رمش. بنيت نفسك بنفسك بعزيمة وبعصاميّة، بهدوء لا بضوضاء وضجيج وصخب. رسّخت قدمك في مستنقع القهر وقلت لها من تحت أخمصك الحشر. لذلك كلّه كنت محطّ اعجابًنا ومثلا لنا نأتي اليه في الملمّات لنستأنس برأيه، ولنمتح منه الأمل حين يتسلّل الينا بعض اليأس، ولنستمد منه القوة حين يتسرّب الينا الوهن هكذا عشت أبا فرح وهكذا عشنا معك، رجل الأمل والتفاؤل والنضال والثبات لذلك كان وقع رحيلك المفاجئ علينا قاسيًا، ولكن لا بأس فهنالك حتمًا من سيكمل المشوار وسيستمر حاملا الراية خفّاقة، فنم قرير العين. حتمًا أبا الفرح سنجترح المعجزة وسنصل واحتنا الخضراء وهناك سنقيم أعراس النصر ولن ننساك أبا الفرح. نم قرير العين، فمن كان مثلك على هذه الأخلاق وعلى هذه المبادئ، من كان مثلك على هذه الصفات وهذه النهاجيّة، من ملك مثلك هذا الجمع الكبير من المحبين والأصدقاء ورفاق الدرب، العائلة المحبّة الوفيّة تأكد ما مات، ما مات، ما مات.
فنم قرير العين ووداعًا يا طيب.
