كان يعتصر ألمًا وغضبًا وقف شاهدًا ملكيًا ومشاركًا بعكس التيار على ما رأته عيناه ودموعه تنهمر على فراق الأحبة من أبناء بلده والقرى المجاورة، يوم جاءت العصابات الإرهابية الصهيونية ناشرة الخوف والرعب والقتل إلى جليلنا الغالي وشاغورنا الأشم، تقتل وتهدم وتشرد الأهالي عن بيوتهم وقراهم، هذا ما رآه حنا إبراهيم وكان .مندهشًا جدًا وهو يرى طوابير المشردين من قرى الدامون وشعب والرويس والبروة وغيرها، تزحف ببطء شمالا تاركة البيت والأرض والوطن في رحلة المجهول هربًا من جحيم وبطش العصابات الصهيونية. إنها مناظر مأساوية يصعب على الإنسان نسيانها مهما توالت الأيام والسنين والزمن. إذ تظل محفورة في الذاكرة الأبدية وتنتقل من جيل إلى جيل. ففي مراحل معينة تكون هذه الأحداث رغم مآسيها وصعوبتها، إلا أنها تشكل رد فعل وطني في حشد الطاقات والإمكانيات في البحث وكيفية مساعدة الآخرين للخروج من هذه المحنة المأساوية، مجموع هذه الأحداث وكان أبو إبراهيم حنا إبراهيم الياس مشاركًا فيها كمناضل ثوري وطني، إذ بدأ يشارك في النشاطات والمعارك السياسية والوطنية، وكان يقوم بأعمال بطولية ثورية في مساعدة الآخرين حين بدأ يتلمس الطريق إلى مرحلة أعلى من النضال أي طريق النضال الشيوعي المنظم، وبدأ وعيه السياسي والوطني يزداد تفهمًا ووعيًا ورسوخًا في الاتجاه الصحيح، فالأحداث الجارية كانت كفيلة بان تجعله ينظر إلى الأمور بمنظار أرقى على الشروع بالنضال اليومي المنظم. كل ذلك وهو لم ينتسب للحزب بعد إلا بعد ان بذل جهودًا جبارة في العمل الثوري والإخلاص الوطني بل التضحية في سبيل الأهداف التي يناضل وناضل من اجلها. كان يدرك رفيقنا الغالي حنا إبراهيم ان عضوية الحزب الثوري في تلك الأيام تنطوي على مخاطر كبيرة له ولعائلته، وانه يحمل دمه على كفه، وان طريق الكفاح الشيوعي دائمًا محفوفة بالمخاطر، تتمحور ما بين القتل والسجن والاعتقال والجوع والهلاك والغياب والملاحقة الطويلة عن البيت والعمل، لكن رفيقنا أبو إبراهيم حنا إبراهيم كان يدرك ذلك. لهذا تمتع بمزايا معينة وقدرة على فهم الأمور وإدراكها جيدًا، وتتجه لعلاقته الخاصة والمميزة مع صديق طفولته الرفيق نديم موسى على وجه الخصوص وكان الاثنان يخوضان جولات عديدة من النقاش السياسي والوطني حول أمور الساعة في تلك الظروف البالغة الصعوبة والتعقيد. وقد أدرك أبو إبراهيم ان طرح الشيوعيين على قلتهم في تلك الأيام والفترة لحلول ومشاكل المنطقة والبلاد هو الطرح الصحيح والعقلاني والثابت بل الطريق المجرب والأخلص والأكثر صلابة على أهمية التمسك بالحق والأكثر وطنية وثورية وإخلاصًا للشعب. ولهذا قدم حنا إبراهيم الياس طلب انتساب وانضم رسميًا لصفوف الحزب في أواسط 1948 في عز المأساة الفلسطينية. فيما غدا أبو إبراهيم في امتحان في غاية السرية والصعوبة وهو يحمل دمه على كفه.
فكان له شرف النضال إذ شارك مع مجموعة من الرفاق الأشاوس في توزيع منشور الأحزاب الشيوعية العربية الذي يفضح المؤامرة التي حيكت على الشعب الفلسطيني من قبل الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية، ويحذر من ضياع الحقوق العربية وحق الشعب الفلسطيني الذي تعرض لمؤامرة كبيرة جرى فيها بيع فلسطين، فيما يعرف بحرب فلسطين سنة 1948 والتي على أثرها جرى تهجير الشعب الفلسطيني من وطنه والتي اصبحت قمة الخيانة والمؤامرة. وكان منشور الأحزاب الشيوعية العربية قد وزع في اغلب دول المنطقة في فترة واحدة وزمن واحد وليلة واحدة، وكذلك في القرى العربية ومنها البعنة وغيرها. وكانت المسؤولية تقع على مجموعة اقل من أصابع اليد الواحدة، وكان الرفيق حنا إبراهيم واحدًا منهم، إذ تم توزيعه سرًا وليلًا تحت جنح الظلام بعيدًا عن أعين جيش الإنقاذ والمخبرين وأعوانهم وكان ذلك في صيف سنة 1948.
شارك مشاركة فعالة مع مجموعة من شيوعيي البعنة في إفشال مخطط رفض الهويات الحمراء في البعنة وقرى الشاغور وكان ذلك سنة 1950، إذ حاولت السلطة فرض البطاقات الحمراء بدل البطاقات المدنية على المواطنين في البعنة وغيرها، تمهيدًا لمحاولة الطرد من الوطن لكل من يحمل هوية حمراء، وقد افشل أبو إبراهيم ورفاقه مؤامرة كانت من اخطر المؤامرات في مرحلة ما بعد النكبة.
سعى الكاتب حنا إبراهيم من خلال عضويته في الحزب الشيوعي ونشاطه الدؤوب والمتواصل إلى رفع مستوى وعي الجماهير وتجنيدهم للتصدي لسياسة الحكم العسكري، ومن اجل تثبيت أقدامهم في وطنهم. ولهذا غدا أبو إبراهيم شاعرًا وكاتبًا وخطيبًا سياسيًا، وقد اصدر الكثير من دواوين الشعر وكتب في القصة والمقالة وغيرها. وقد عمل لفترة وجيزة مديرًا عامًا لمطبعة الاتحاد التعاونية لفترة تزيد عن أربع سنوات في نهاية 1974، ثم عمل محررًا فيما بعد في هيئة التحرير، وهذه الفترة يعتبرها أبو إبراهيم من أهم مراحل حياته. انتخب الرفيق حنا إبراهيم لرئاسة المجلس المحلي في قرية البعنة لدورة واحدة ممثلا عن الحزب والجبهة وكان ذلك سنة 1978 ولغاية 1983، وقد خدم حنا إبراهيم المجتمع والموطن البعناوي بكل إخلاص ومسؤولية ونظافة يد وقد بادله الأهالي الاحترام والتقدير.
عمل أبو إبراهيم حنا إبراهيم حنا الياس بعد قيام الدولة حجّارًا في محاجر البعنة والشاغور، وغدا معلمًا يعرف طبيعة وعناد صخور الشاغور، وقد استطاع على مر الأيام والسنين ان يطوِّعها كما يريد بين يديه ليجعل منها قالبًا قل مثيله في الفن والنحت، ومن هناك من الأرض الصخرية والوعرة اشتد عوده وصقل تفكيره في الانحياز لطبقة الكادحين وفي معارك الدفاع عن الأرض، وخطر المصادرة فخاض مع الأهالي ورفاقه في الحزب معارك الشرف والتراب دفاعًا عن ارض الشاغور والمعركة ما زالت مستمرة على ما تبقى من احتياط الأرض للمواطنين العرب، وها هي رمية وأهلها يكابدون في معركة الحياة والموت في الحفاظ على أراضيهم وقريتهم من جشع الصهيونية وبلدية كرميئيل المقامة على أراضي قرى البعنة ودير الأسد ومجد الكروم.
ارتبط اسم الشاعر حنا إبراهيم بالأرض والوطن وشاعر العمال والكادحين، شاعر الجليل. فالكتابة عنه وتدوين المعروف هو اقل بكثير عن غير المدون والمعروف، إذ تغدو الكتابة عن الشاعر والمناضل حنا إبراهيم كمن يكتب عن سيرة ومسيرة لشعب وجمهور ومواطنين يتقدمهم حنا إبراهيم بقيادة حزب طليعي ثوري خاض ويخوض اشرف المعارك في سبيل حريته وكرامته المسلوبة، إلى ان تنتصر إرادته الحرة في يوم هو اقرب إلى تحقيقها نحو فجر الحرية والاستقلال وإقامة الدولة المستقلة على ترابه الوطني المتبقي له من فلسطين التاريخية.
غدا الشاعر والكاتب الشيوعي حنا إبراهيم في محطات ومراحل كفاحه المشرف، وفي كتاباته وأشعاره وأدبه وخطاباته وكلماته وقصصه ورواياته عَلَمًا من أعلام الثقافة والأدب الفلسطيني، ومدرسة عالية خفاقة للتربية الوطنية والثورية. وقدم مساهماته في خلق وإنشاء وتأسيس ما يُعرف اليوم بأدب المقاومة، في عملية ارتقاء شاملة لمجمل الثقافة الوطنية الفلسطينية إلى مراحل النضال المكتسبة للشعوب المظلومة والمنكوبة في عالمنا العربي. ويمكن القول عن شخص حنا إبراهيم انه احد صناع ثقافة المظلوم الكفاحية في وجه الظالمين، لأنه احد أبناء هذا الشعب المضطهد والمكافح عاش ويعيش بين أبناء وبنات شعبه حاضرًا في اللد والرملة والجليل، في الشاغور والكرمل، في عكا وحيفا ويافا.
إن تكريم وتقدير شاعرنا الجليل حنا إبراهيم في مقالة معينة أو في اسطر قليلة، إنما يأتي من باب الاعتراف والاحترام والتقدير للسيرة والمسيرة الشخصية، وهي نقطة في بحر العطاء والتضحيات التي سطّرها كاتبنا المعروف. وأنصح قراء الاتحاد والأجيال الناشئة التي لم تتعرف بعد على مسيرة هذا المناضل والكاتب والشاعر الشيوعي الصلب، بقراءة إصداراته المتعددة للتعرف على شخصية نضالية فولاذية لا تلين، متمنين لابو إبراهيم وزوجته وأولاده وأحفاده كل الخير والمحبة والصحة والسعادة والعمر المديد.
وعلى طريق الكفاح دومًا لتحقيق أفضل واسمي القامات الإنسانية.
(كويكات/أبوسنان)
