ايها الراحل عنا الى الأبدية!
أيها الثائر المتمرد على كل المسلَّمات !
لماذا أعز الناس علينا أسرعهم للرحيل؟ ولماذا يرحل الأحبة عنا ؟ ! هل لأنهم يحفظون خريطة الفردوس أكثر من كتاب الأرض ؟! ماذا سيبقى من طريق الرحلة الكبرى الى المجهول؟ ذاكرة المكان ؟
يا أصدقاءه : لا تسألوا متى يعود ! بل اسألوا متى يستيقظ الرجال !
مضى شاعرنا ولسان حاله يقول : يا بلادي / اذا مت حبا فلا تدفنيني / وخلي ضريحي رموش السحاب / لأزرع صوتك في كل طين / وأشهر سيفك في كل ساح / أحبك كوني صليبي / وما شئت كوني / وكالشمس ذوبي ... بقلبي/ ولا ترحميني ! مضى أبو العلاء ولسان حال الأهل يقول : أيها المسافر الى غير رجعة ! عشنا معك ... سرنا معك... جعنا معك ... وحين تموت نحاول ألا نموت معك/ ففوق ضريحك ينبت قمح جديد... وينزل ماء جديد / ... وأنت ترانا نسير ... نسير ... نسير ،،، ولكن ليس معك !!
أما لسان الزوجة الفاضلة أم علاء فيقول : يرف الغياب بعين الأحبة / وتكرج دمعة حب عجيب / مضينا معا في طريق الحياة / فكان مع الحب قلبي وجيب / طلبت لحبي جناح السنونو /... فطار السنونو ... وطار ... الحبيب !!
كلمات التأبين هي اعتراف منا بهزيمة الحياة أمام جبروت الموت. فاذا ما حصلت هذه الهزيمة ، ذابت حبات السكر ، سكر العمر في كأس العلقم وانقطع نبض الحياة ونبض الفرح وانطفأت الشعلة التي كانت تنير الدرب !
لم يكن الاستاذ سليمان معلما عاديا ولا انسانا بسيطا ، بل كان عظيما ببساطة ، كبيرا في عيني نفسه ، خفيف الظل في محضره ، حسن الاصغاء لمحدثيه ، وهذه الصفات قلّ ما تجتمع لانسان الا اذا كان ذلك الانسان فوق العادي ! وأبو العلاء كان متواضعا ولكن ليس في ضعة ، عاديا ولكن أكبر بكثير من ذلك ! حضوره مميز في كل لقاء ، ترك بصماته في كل زاوية حتى لكأن غيابه ليس حقيقة واقعة لأنه كان ولا يزال موجودا فيما بيننا حتى بصمته المعهود، وحين يصغي الينا يحدثنا بما قلّ ودلّ لأن للكلمة عنده ولديه وقعا خاصا .
عندما يرحل عزيز من دائرة الأصدقاء تنكمش هذه الدائرة التي هي وطن صغير لكل منهم وليس أصعب على المرء من فقدان الوطن !! وعندما تسير بنا الدرب في رحلة اغتراب يتحول فرح الحياة الى سواد يكتنف كياننا لأننا بوجودنا نصنع الحياة ونفلسفها على أسس المحبة والخير للجميع وللقيم الانسانية النافعة !
كان استاذنا الجليل يؤمن ان الانسان الخيّر لا يحاسب ولا يعادي ولا يحترف الانتقام اذا أساء له الآخرون ، متمشيا بذلك مع ما قاله السيد المسيح في احدى مواعظه حول التسامح: اذا أخطأ لك أخوك مرة فسامحه سبع مرات، واذا أخطأ لك سبع مرات فسامحه سبعين مرة سبع مرات !!
أيها الصديق الراحل : الأرض بيدر أحزاننا ومهرجان نفوسنا ، ندرس عليه أغمار النفوس قبل أن تعطي غلاتها ! وأنت أيها الراحل الى أحضان الأبدية ، غمّرت حقلك طوال السنين ولكنك لم تجن كل غلاته حتى رحيلك، ففي قنديل عمرك ما زال زيت كثير ! فقد طلّقت الحياة وهي قدس الأقداس بالنسبة للانسان وذهبت الى المجهول الذي لم يعد منه أحد ليخبرنا ماذا هناك ! فقد كنت دائما التطلع الى الحق والخير والجمال ، تصبو أبدا الى المناقب ومكارم الأخلاق وللقيم المجيدة ... كنت تعيش في حالة عشق دائم للحياة... وفي حالة زفاف دائم مع الحياة . . . والزفاف هو نهاية العشق ! فلماذا تنتهي بنا الحياة فجأة ونحن ما زلنا نعشقها ونتشبث بها ؟؟!!
أيها الراحل الكبير : سنفتقدك في الصالونات الأدبية فقد كان حضورك يزين أجمل الصالونات لما لك من دماثة الخلق وروعة الانصات والبسمة التي لا تنطفئ شعلتها عن محياك، سيفتقدك الأهل الكرام والزوجة الفاضلة والأنجال والأخ والأخوات والكثيرون من معارفك وأصدقائك! سيفتقدك الجميع في كل مناسبة ! ولكن بما أن للجداول جفافها ، وللأشجار مواسمها وثمارها ... وبما أن لكل شيء جميل نهاية فكما يحترف العندليب الغناء في حديقة السوسن والياسمين ، كذلك فقد احترفت يا ابا العلاء الرحيل ووصل بك موكب الحياة الى نهاية الشوط !
رحمك الله رحمة واسعة وليبقَ ذكرك الى جيل فجيل .
(كفر ياسيف)
