نوستالجيا

single
  أحب الشتاء وأعشق المطر ويبدو أنّ في داخلي فلاحًا قرويًا فلسطينيًا يعتقد أن المطر رحمة للإنسان وللحيوان وللنبات وللحيّ وللميّت، ويفرح لهطوله ويطرب لصوت المزراب وخرير المياه في القنوات والجداول.
  تحملني الغيوم إلى أيام خلت في القرن الماضي عندما كنت أقف مع المرحوم والدي وبعض الجيران، في ساعة الأصيل، في ساحة دارنا، في الطرف الجنوبيّ لقريتنا ميعار التي هدمها المغول الجدد، ونصغي السمع لهدير الأمواج في كهوف رأس الناقورة، فإذا سمعنا صوتا عاليا أعلن والدي بثقة عن ليلة عاصفة.
ما عرفنا في ذلك الزمان المذياع أو التلفاز ولا الصحف سوى أعداد نادرة من صحيفة "فلسطين" التي كان يحملها من مدينة عكا قروي حالفه الحظ بزيارة المدينة.
  كانت محطة أرصادنا الجوية تعتمد على ما تسمعه الأذن من أصوات الطبيعة والحيوان مثل نباح الكلاب ومواء القطط وثغاء الأغنام، وما تراه العين من طيور وديدان وبخاصة دودة الأرض، ومن ظواهر طبيعية مثل قوس القزح الذي كان يخلب عقولنا. "إنّ قوّست باكرْ، إحملْ عصاك وسافرْ، وإنْ قوّست عشيّة. شُفْ لك مغارة دفيّه!!".
  الفلاح الفلسطيني الذي حوّل الأراضي القاحلة والوعرية إلى جنّات، وغرس الهضاب والتلال، والوديان والجبال، زيتونًا وتينًا وكرمة ورمّانًا ولوزًا وخرّوبًا وصبّارًا ونخيلاً، فلاح نشيط صبور يفرح بالأمطار ويتوسم الخير فيها. "خير اللهم اجله خير!" ولا يضعف ولا يبكي ولا يشكو إذا ما أمحلت الطبيعة أو غزا الجراد حقوله فهذا الكفّ معتاد على ملاطمة المخرز. والمخارز عديدة ومتنوعة. المغول والفرنجة والأتراك ونابليون واللنبي وديّان...وأما الزيتون فباقٍ، والصبّار ثابت، والأردن يجري..وشتّي يا دنيا وزيدي.. بيتنا حديدي!!
  للمطر في الشرق جلال وقدسية منذ عشرات القرون. دخل المعابد وامتزج بالصلوات والتراتيل. قدّست الشعوب البرق والرعد والريح والعاصفة والسيل والوادي والنبع والنهر.. وغنّى الأطفال والنساء والرجال للمطر. إذا ما ترحّم الشرقي على شيء أو تمناه قال "سقى الله!" فلا يقول الأوروبيّ أو الأمريكيّ "سقى الله" ففي بلده يسقط المطر شتاء وصيفًا، ربيعًا وخريفًا، بل يقولها مصليًا ومبتهلاً إنسان يعيش في بلد صيفه طويل وجاف وشتاؤه قصير.
  هاجر العرب من الشرق إلى الغرب وفتحوا الأندلس، بلاد الأمطار والينابيع والأنهار، وعمّروا المدن والحدائق وبقوا يتغنون في موشحاتهم ويقولون"جادك الغيث إذا الغيث همى"!
  تغنى الشعراء العرب بالمطر في قصائدهم منذ المعلقات حتى اليوم ولولا قصيدة "أنشودة المطر" ذات المطلع الجميل "عيناك غابتا نخيل" ما خلّد تاريخ الأدب السيّاب.
وكانت صلاة الاستسقاء وما زالت جزءً من معتقدات الشعوب في الجزيرة العربية وفي بلاد الشام.. وكنا في طفولتنا نسير في أزقة الحارة مرددين "يا الله الغيث يا ربّي" إذا ما انحبس المطر.
  تحملني ريح الشتاء إلى أيام الطفولة حينما كانت العائلة تتحلّق حول "فاكهة الشتاء" في الليالي الباردة، وتشوي عليها الكستناء وتستمع إلى حكايا  الجدّ أو الجدّة عن الشاطر حسن والغيلان والضباع.
  يذكرني المطر بألعابنا وعدونا على ضفة الوادي غير عابئين بعقاب أمهاتنا عندما نعود إلى البيوت بملابسنا المبللة بالماء والملطخة بالوحل.
  يسألني المطر عن العيون والينابيع التي كانت تتفجر في فصلي الشتاء والربيع ويتدفق منها ماء زلال. نهبوها وجففوها!!
 ويسألني المطر أيضًا عن طيور الزرزور والقطا والسمان أين رحلت واختفت؟   
أحن إلى فطورنا القروي البسيط، إلى كسرة من خبز الطابون، مسخّنة على جمرات الكانون، وصحن من زيت الزيتون الأصلي وقليل من الزعتر الممزوج بالسمّاق.
  طعام صحي فيه رائحة الوطن وترياق الحياة!!
قد يهمّكم أيضا..
featured

اعتذار للحق والحقيقة

featured

تبخّر الزّيت العربي

featured

مبعوثو ترامب جعبتهم خاوية

featured

إلى أهلنا في أبو سنان

featured

مأساة الفلوجة وعراقيل التعصّب

featured

توحدوا، توحدوا وتوجهوا الى الامم المتحدة!

featured

"سُفُنُ الحُرِّيَّةِ"

featured

أمعركة وطنية.. أم مناورة دبلوماسية فاشلة؟