ما زال شهر رمضان يتألق بين الشهور بعاداته وتقاليده التي لا أعتقد أنها ستمّحي ، ولكنها بالضرورة تأخذ مسارات جديده متطورة ، وسيبقى السجال الفكري والعملي في كيفية إستقبال وممارسة شهر رمضان ، فالقوى الثورية في المجتمع العربي والإسلامي تحاول دائما إعطائه المضمون النضالي الوطني ، والقوى القاعدة ( غني عن القول أن الإستعمال للكلمة هنا بمعنى القعود والكسل ولا يمت لتنظيم القاعدة بصلة )،تحاول أن تعطيه معنى الخمول والكسل ، وكل همها في الشهر التكفير لمن لا يصوم حتى لو كان يعمل في العمار ثماني ساعات في هذا الصيف القائظ ، وماذا نتسحر ، وعلى ماذا سنفطر اليوم .
ويمتاز رمضان هذه السنة ( 2011 م – 1431 للهجرة ) ، بالنضال المكثف والديمقراطي من أجل إعادة بناء قرية العراقيب في النقب ،المعترف بها والمحبوبة من قبل اهلها أولا والجماهير العربية ثانيا والقوى الديمقراطية اليهودية ثالثا ، والغير معترف بها من قبل حكومة اليمين المتطرف ، حكومة الهدم والتدمير .
فمن الدفاع عن البلدة في وجه البلدوزرات الهادمة ، إلى الوقوف صفا واحدا في اجتماع تضامني هام وموحد في مدينة سخنين ، نعم بالذات في سخنين يوم الأرض الأول ، أرض الشهادة والبطولة ، إلى مظاهرات مفترقات الطرق اليومية ومنها يوم الإثنين ( 16-08-2010 ) ، في الناصرة ، أم الفحم ، سخنين ، ووادي عارة .
على مفرق "وادي عارة " حيث شاركت زملائي ورفاقي في النضال من جميع التوجهات السياسية بما فيها الجبهة ،كانت هناك قرية عربية بإسم" واد عارة "، معظم أراضيها كانت لآل عبد الهادي ، وهي عائلة فلسطينية ، من العائلات المالكة للأرض في أيام فلسطين ، ومن شخصياتها عوني العبد الهادي ، توفي في عمان في الأردن ، وفخري العبد الهادي ، ومازال أحد البيوت لهذه العائلة ماثلا للعيان في كيبوتس " برقاي " الذي أقيم على أنقاض القرية .
كانت أراضي قرية" واد عارة " أراض خصبة وواسعة ولذلك استوعبت العديد من عائلات الفلاحين العرب من المنطقة من عارة وعرعرة وكفرقرع وبرطعة ، وكان بعضهم يسكن القرية حتى تمام الموسم مثل موسم الحصاد أو موسم البطيخ والشمام .
أكتب هذا الكلام ليعرف الشباب أيضا هذه الحقائق ، وبينهم الثوريون والملتزمون كفاحا ، ففي يوم المظاهرة نفسها جاء شاب من إحدى القرى القريبة ، وقال إعطوني شعارا لأقف معكم فلم أكن أعرف عن المظاهرة إلا من راديو الشمس الآن وأنا صائم. فقلت يجب أن أشارك .
أثلج صدري هذا الشاب البطل الذي قرن صومه بالنضال وليس بالكسل ، وعندما سألته أين يقف الآن وهل يعرف المنطقة لم يزد على قوله نعم نحن في " تسومت برقاي " أي الإسم العبري للمنطقة .
من المهم أن نعرف الإسم العبري والإسم الإنجليزي والإسم التركي للمنطقة، ولكن الأهم أن نعرف الإسم العربي والتاريخ العربي للمنطقة ، فهذه الذاكرة وروايتنا يجب ألا تموت لا في خضم النضالات اليومية، ولا في أي يوم آخر .
في هذا اليوم كان عمالنا العائدين من العمل في مركز البلاد،المارين من وادي عارة بأغلبيتهم يرفعون أياديهم بالتأييد والثناء، والعديد من اليهود كذلك ، ولكن أحدهم رفع إصبعه الوسطى، وقال : إذهبوا إلى جنين ... قاصدا الترانسفير ويبدو أنه ليبرماني المواقف والأيديولوجيا، متناسيا أن هذه المنطقة تعشق جنين وتحب جنين، ولا يعرف هذا المغرور أن مدينة أم الفحم وقراها كانت أيام فلسطين تابعة للواء جنين بينما قرى عارة وعرعرة وكفرقرع كانت تابعة ومازالت للواء حيفا، ولا يعرف ربما أننا ساهمنا بدعم جنين وأهالي جنين بالماء والخبز والتضامن بشتى أشكاله أيام الإنتفاضات الأولى والثانية وأيام الحصار المجرم، فأهل جنين من لحمنا ودمنا، وهم منا ونحن منهم، كما نحن "من هالأرض والأرض منا " كما تقول أغنيتنا الشعبية الجميلة اللحن والمعنى، ولكن أن نذهب لجنين كمطرودين من وطننا فهذا حلم لن يتحقق لا لهذا الهاذي ولا لمن علمه الهذيان ، فنحن نجلس على أرض صلبه على أرضنا وفي وطننا .
ألم أقل لكم أن رمضان كريم .
( عرعرة – المثلث )
