فاجأتني استقالة ايهود براك واعتزاله الحياة السياسية. كما تفاجأ بها الكثيرون فقررت ان اكتب حول هذا الموضوع واترك المقال الذي اُعدّ للنشر لهذا اليوم لموعد آخر.
أقول بصراحة انني لم أتوقع استقالة ايهود براك ولا بنيامين نتنياهو من منصبهما بعد الفشل.. بل كنت اسأل نفسي دائمًا.. ماذا سيقول هذان الزعيمان المغروران للناس!! وكيف سيفسران فشلهما في العدوان على قطاع غزة؟ ليس سرًا انهما كانا في المعارضة أيام العدوان السابق عدوان الرصاص المصبوب على غزة وانهما ملآ الدنيا في حينه صراخًا وثرثرة ضد اولمرت وحكومته وكيف ان الفشل الإسرائيلي كان بسبب عدم كونهما الاثنين في مركز القرار الذي كان يريد مواصلة الحرب وجلب الانتصار لإسرائيل!! ماذا سيقول هذان "البطلان" لسكان المنطقة الجنوبية المتاخمة لحدود غزة عن ان مسألة سقوط الصواريخ الغزية عليهم لم تُحل هذه المرة أيضًا!! كيف وماذا سيقولان لجميع زعماء إسرائيل الذين تهافتوا على تأييد العدوان طمعًا في نيلهم ولو قسطًا قليلا من ثمار انتصاره!!
ألا يخجلان ويستحيان من ايلي يشاي بالذات الذي ذهب به حقده إلى ان يطلب إرجاع غزة إلى أيام العصور الوسطى!!
ما هو جوابهما المقنع والشافي لجميع سكان إسرائيل.. الذين صُعقوا لمّا رأوا تل أبيب والقدس تضربان بصواريخ غزّية؟! ماذا سيقولان للشعب الإسرائيلي الذي انقسم في فترة الحرب العدوانية حرب عمود السحاب الأخيرة التي قسمت شعب إسرائيل إلى قسمين قسم أول أسير في الملاجئ وقسم آخر عاطل عن العمل والتعليم. وكلاهما يجمعهما الخوف والهلع واستجداء القريب والبعيد ليوقف النار من فوق رؤوسهم!!
وأوقفت النار في النهاية.. وليس لنا الا ان "نشكر" الأشقاء المسلمين والعرب على مجهودهم في إيقاف النار ومواصلة خدمتهم للسيد الأمريكي والإسرائيلي!! عفارم.. وأما الكلمة الصريحة بفشلهما فلم نسمعها منهما حتى اليوم!!
وعادت المياه إلى مجاريها وانشغل الإسرائيليون في الانتخابات البرلمانية القادمة التي تفصلنا عنها مدة لا تزيد عن ستين يوما، وفي خضم معركة الانتخابات داخل حزب الليكود الحاكم (البرايمريز) جاء تصريح ايهود براك الذي يؤكد استقالته من جميع مناصبه الوزارية واعتزاله الحياة السياسية نهائيًا!!
وكما هو مألوف بأن الناس "تدهن الميت بالعسل" فانهالت عليه المدائح من جميع خبراء السياسة الإسرائيلية وبينهم من تفاءل بان حزبه سيعبر نسبة الحسم في الانتخابات البرلمانية القادمة وسيحظى بخمسة مقاعد في الكنيست الإسرائيلي المقبل!!
أما أنا فأسمح لنفسي ان أورد أسبابا أخرى حتى وان بدا قسم منها مستهجنًا:
1. أدرك براك كما أدرك شارون قبله ان سياسة الاعتماد على القوة فقط في حل المشاكل السياسية فاشلة ولا يمكن الاعتماد عليها.
2. براك يعرف كما تعرفون بان الفشل ينتظره في الانتخابات البرلمانية القادمة ولهذا فضّل ان يعتزل قبل ان يعزله الآخرون.
3. فهم براك كما فهم قبله شارون ان إقامة المستوطنات ليست كافية لإبطال الصبغة العربية عن ارض فلسطين وكما فعل شارون بالهروب من قطاع غزة سيفعل براك الشيء المشابه مستقبلا!!
4. براك ربما وصل إلى نتيجة بان ليس لديه ولمن وراءه القدرة على خوض حرب نظيفة ضد إيران أو حتى ضد حزب الله في لبنان.. حرب نظيفة كما تعودت إسرائيل دائمًا.. فقد ولى عهدها وإذا وقعت فهذا يعني التدمير والضحايا والدم في إسرائيل وهو لا يرغب في ان يُحسب ذلك عليه.
5. براك يعرف ان يوم غد الموافق 29/11/2012 هو يوم اعتراف العالم بدولة فلسطين من خلال نجاح التصويت لقبولها عضوًا مراقبًا في الأمم المتحدة.. وبراك يعرف ان هذا الاعتراف البسيط يجعل فلسطين دولة تتمكن من مقاضاة مجرمي الحرب في المحاكم الدولية (والقبعة تلتهب على رأس المتهم). ويعرف كذلك بان اعتراف العالم بدولة فلسطين يزيد من عدم شرعية مشروع الاستيطان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية! وعليه لا أتوقع من براك ان يترك الساحة السياسية في إسرائيل.. بل هو يعد العدة للرجوع إلى هذه الساحة بعد مدة قصيرة.. بعد ان يكون قد فشل نتنياهو وأمثاله في جلب الهدوء والسلام والبريق.. وسيعود هذه المرة على رأس حزب جديد يقر ويعترف بالمطالب العادلة للشعب الفلسطيني وخاصة مطالبه بحق تقرير المصير والاستقلال.
ودعوني أجازف وأقول بان براك ربما سيكون رئيس حكومة إسرائيل التي تصالح الفلسطينيين وتتعامل معهم من منطق السلام المتبادل بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني. أمر غريب.. ها؟!
(دير الأسد)
