رجل الثورة الاجتماعية المرحوم القائد جمال طربيه

single

قال تعالى: "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت" صدق الله العظيم
هاتفني المرحوم قبيل وفاته بيوم واحد كي ازوره او يزورني فأخبرته انني سأسافر في اليوم التالي الى اوروبا وكنت اراه بين الفينة والاخرى، إما زائرا في بيتي وإما مضيفا في بيته، فتمنى لي الخير على ان نلتقي بعد العودة.
كان لا يهنأ لنا البال إلا بلقاءات متواترة نتبادل فيها الآراء ونسترجع فيها الذكريات ونتبادل ما ترسّخ في اذهاننا من شعر او ادب او تاريخ وفي جميع المجالات، كيف لا ونحن روح واحدة في جسدين ما إن ابتعدا حتى اجتمعا في وقت لاحق.
شاءت الاقدار ان يصلني النبأ المفجع بوفاته في بلد ناءٍ قبيل تشييع جثمانه الطاهر بساعات قليلة لم استطع ان اطير اليه كي اودعه، الوداع الأخير، كي اذرف الدمع الساخن على خده الجميل او اشم رائحته الطيبة او المسه اللمسة الاخيرة، فقلت ما قاله عليّ كرّم الله وجهه:

"الى الله أشكو لا الى الناس اشتكي       أرى الارض تبقى والاخلاء تذهب
اخـــلاي لو غيـر الحِمام أصابكــم       عتبتُ ولكن ما على الموت معتب "

كثيرا ما كان المرحوم يشعر باقتراب الاجل فقد كان يقول دائما: كثيرون ممن حولنا قد رحلوا ولم يبق الا القليل ثم يعود يطمئن نفسه ويطمئنني كثيرا في القول نحن في الربع الاخير من العمر وأنا ما زلت قويا اطالع الكتب والشعر والادب في العربية والانجليزية.
لقد رافقت هذا الرجل منذ الطفولة، وكان قائدا منذ الصغر، مثلا كان يجمع حوله طلاب المدرسة الابتدائية في ساحتها ويقودهم في دفاع عن مدير المدرسة اذا اختلف مع بعض المتنفذين من رجال القرية. وكان يوحدهم كذلك في اظهار جوانب الفشل لبعض المعلمين سواء كان ذلك في المدرسة الابتدائية في سخنين او في الثانوية في كفر ياسيف.
لقد عرفت المرحوم عن كثب في جميع مراحل حياته العريضة فعملنا معا في سلك التعليم في سخنين، وبعد ان رأينا أن المياه قد أوصلت إلى قريتي الرامة وكفر ياسيف، الى مركز البلد في كل منهما، وكان حينها اهل سخنين ما زالوا ينقلون مياه الشرب من وادي سلامة او من عين سخنين الواقعة بعيدا شرق القرية الظمآنة. وفي سنة 1962 اجتمعت كوكبة من المثقفين وأخذت على نفسها مهمة  ايصال المياه للشرب فأقامت جمعية "المنى" كان المرحوم سكرتيرها الاول في سنواتها الاولى وخلال سنتين تم انجاز المشروع  بافتتاح بئر المياه في عرابة.
وفي حفل الافتتاح وقف المرحوم يهتف بوصول المياه وافتتاح البئر وذهب يبشر الجماهير بتوصيل المياه عن قريب الى بيوت كل الناس في سخنين وعرابة ودير حنا.
سقاك الله يا أبا أدهم من كوثر الجنة ورحمك الله على خدماتك الجليلة في أول مشروع اجتماعي لبلده.
وفي سنة 1968 وفي اول انتخابات ديمقراطية اتفقتُ مع المرحوم ومع الاخ الاستاذ محمد حيادرة على اقامة قائمة انتخابية شبابية تعمل لخدمة اهل القرية أسميناها "النهضة" كان القائد جمال طربيه رئيسها وتسلّم نيابة الرئاسة حين كان الشيخ عوض خلايلة رئيس المجلس المحلي فأسهم معه في تطوير بلدنا العزيز.
وفي سنة 1969 أقرّ المجلس المحلي افتتاح الصف التاسع ضمن المدرسة الابتدائية "ب" بإدارة المرحوم الأستاذ مصطفى زبيدات ليكون ذلك النواة لمشروع المدرسة الثانوية وفي هذه الفترة انتسب المرحوم الى جامعة حيفا وتقلد منصب المسؤول في الهستدروت عن المنح لطلاب الجامعات، فتلألأ نجمه بين الطلاب، وفي نفس الفترة ترسخت علاقته مع وزارة المعارف فقام بتوظيف عشرات المعلمين وخاصة في النقب وعندها تبدأ الجهود من اجل بناء المدارس في قرى النقب ومضاربه وذلك لتعليم الجيل الناشئ  كي يستطيع هؤلاء مواكبة التطور العالمي والمحلي.
   كنا نسافر معا الى الجامعة بعد العمل المرهق فكان المرحوم يخفف العبء ويطرد السأم فتارة يغني لأم كلثوم واخرى يغني الالحان السودانية او العراقية او غيرها، فكان خير الرفيق يبث الفكاهة في الطريق الى الجامعة وفي العودة منها، وكان المرحوم يطربنا بالأغاني الشعبية المحلية وفيها من الظرافة والفن الشعبي فكان خفيف الظل موهوب الحضور في الجد والفكاهة والطرائف. وهذه الموهبة في الغناء انتقلت الى احد انجاله، الى ابنه سعيد الذي تفوق في برنامج "نيوستار" لما عنده من الموهبة الفنية والبراعة في تقديم جميع الالحان لكل المطربين من كل دول العرب، فالتفاحة سقطت ليس بعيدا عن الشجرة، انها موهبة موروثة.
كان المرحوم مثقفا هادئا، كان الانسان المتحدث اللّبق يقبله الجميع لدماثة اخلاقه وتواضعه يدخل النكتة في حديثه بالاضافة لصفاته القيادية وهذا ما ساعده في 1972 على ان يجتمع رأي الاكثرية في سخنين على تقليده منصب رئاسة المجلس البلدي وفي هذه الفترة توفرت الفرص لإقامة الصرح الدراسي الاكبر في تاريخ سخنين فقامت فيها اكبر مدرسة ثانوية في الجليل تخرج منها المئات ممن اصبحوا اطباء او محامين او مهندسين وغيرهم، كان المرحوم شغوفا بالعمل لا يهاب المشاريع التطويرية، كيف لا فسخنين كغيرها من القرى لم تعرف الكهرباء قبل ذلك  وكانت البلدة تقبع في ظلام دامس وبجرأة القائد الواثق ضمّ جمعية الكهرباء الى اعمال المجلس ونقل القرية من عصر الظلمة الى عصر  النور والكهرباء سنة 1975 وفي سنة ال1977 بعد ان مر من الزمن 13 عاما على خدمات جمعية "المنى" التي تأسست 1962 وكنت أديرها تطوعا مع زملائي قمنا بضمها وخدماتها للمجلس البلدي كي نضمن تطويرها ومد خطوط المياه الى الاحياء الجديدة.  
    وفي الفترة ما قبل يوم الارض ساءت ظروف الفلاحين في سخنين وعرابة ودير حنا خاصة بعد ان منعت السلطات العسكرية اهالي المل منطقة رقم 9 من زراعتها او الدخول اليها بحجة المناورات العسكرية وكانت قبلها قد صادرت منطقة رقم 17 وكانت قد ضمت اراضي زراعية لأهالي القرية  بحجة اقامة المشروع العسكري "رفائيل" واشتدت الامور وتأزمت من يوم الى آخر فثار الجمهور العربي في البلاد خاصة بعد مصادرة اراضي عربية اخرى في الجليل والمثلث والنقب فحدث الانفجار في ثلاثين آذار سنة 1976 وحينها أخذ القائد المرحوم دوره الريادي كرئيس مجلس سخنين المحلي مع زملائه الرؤساء في الاعلان عن الاضراب عن يوم الارض الذي اعتبره الجميع في العالم العربي يوم نضال تاريخي هام ومعْلما اساسيا في تاريخ بلادنا ونضالها.
ينسحب فيما بعد القائد الاجتماعي من العمل البلدي فيتفرغ للمطالعة وللعمل الاجتماعي فينخرط مع مجموعة من رجال الاصلاح والمهادنة في رأب ما يتصدع من العلاقات العامة بين الناس فيعمل على اصلاح ذات البين وينتقل من قرية الى اخرى وتزداد معرفته لدقائق الامور في المجتمع، فيكون له الحضور البارز اينما حلّ لا يتخلى عن القيم ولا ينحاز الا للحق، فيترسخ مع الزمن تقديره واحترامه كيف لا وهو المتنور المجرب.
   لقد كنت يا أبا أدهم القائد الاجتماعي المثقف الديمقراطي الذي فجر الثورة الاجتماعية في مجتمعنا وقد بدأت بمشروع المياه كابدت الدراسة الأكاديمية حيث كنت تعمل حينها في الجامعة وفي الهستدروت قدمت المنح لزملائك مارست العمل البلدي سنين عديدة بنيت المدارس عايشت مشاكل الناس وهمومها فرَجت الكثير من الهموم سرا وعلانية عالجت مشاكل لم يعرفها الا القلائل تستّرت على الكثير من الاسرار الاجتماعية، لم تطلب الجزاء ولا الشكر فزادُك والحمد لله راجح وعظيم، واسمك باقٍ وخالد على ما قدمت للناس من خدمات فإلى جنة الخلد بمشيئة الله ونقول ما قال الشاعر:
 "عليك تحية الرحمن تترى          برحـماتٍ غـوادٍ  رائحــات".

قد يهمّكم أيضا..
featured

"عاش البلد مات البلد"

featured

هل يخنع النظام التركي لضغوطات التدجين الامبريالية؟؟

featured

حربنا حضارية فكرية

featured

للتطاول أيضا توجد حدود

featured

مفاوضات محفوفة بالمخاطر

featured

سيحل السلام على الملعب