* *
يخطئ من يظن أنه وحيد عصره، ويخطئ كذلك من يعلو أو يتعالى عن غيره، وبدون شك يخطئ أيضا من يزدري الآخرين، ومن دون ريب أن يكون خاطئا أيضا من يحتقر غيره، ويكون خاطئا أكثر وأكثر من تخيّل له أنه مدرسة لغيره من المسؤولين، من القياديين، من المثقفين والذين يتحملون مسؤوليات اجتماعية قيادية ثقافية تربوية وحصرا إذا كان هذا المرء مكشوفا لبعض الناس بقدّه وبتاريخه وبامكانياته ونهجه الحياتي والاجتماعي وحتى السياسي.
فالناظر من حوله يجد الكثيرين من هؤلاء، هؤلاء الذين يتطاولون على الغير دون أن يدققوا في حسابات أنفسهم، يتطاولون على من هم أكبر منهم سنا، يتطاولون في الحديث والنقد اللاذع البعيد كل البعد عن الموضوعية، ويتطاولون أيضا في نعوتهم للغير، وكذلك في كيل الذم أو التحفظ من هذا النهج أو ذاك، لهذا الانسان أو ذاك.
فالمرء الواعي والصائب في قوله هو ذلك المرء الذي قبل أن يبدأ بالتطاول والتمادي على غيره يقيّم نفسه جيدا أولا، ويعود الى الوراء سنة وسنوات وربما أكثر من ذلك، ويضع نفسه في مرآة نفسه ويسرد بينه وبين نفسه كل ما قد تفوه به أو نادى به او وعظ به على طريقته، او أرشد به غيره، وكذلك اذا كان يفقه تصرفاته المتواصلة، فإذا تجمعت هذه الامور معا في نفسه وكذلك غيرها فعلا يمكن حجب كثير من الاخطار والتماديات والتطاول على الغير مهما كانت الدوافع والاسباب.
وعلى سبيل المثال يأتيك نفر من الناس وهو معروف بغالبية تصرفاته وقدراته المحدودة وفشله في حياته، وربما قلة ايمانه في نفسه، يأتي وبدون ذرة حياء ويبدأ بانتقاد انسان او شخصية مسؤولة، أخذت على عاتقها مهام كبيرة محلية إقليمية وربما قطرية، قلّما يقوم أحد بملء هذا المنصب أو القيام بالمهام على الشكل الاحسن، ويبدأ هذا المرء بإخراج مصطلحات أو أمثال أو أقوال يفترض وجودها بهذا المسؤول أو ذاك، وفي الحقيقة هو منها براء كليا، ويستطرد في كلامه حيث يصف هذا المرء بصفات غير مقبولة وربما لا اخلاقية، واذا تحققنا من ذلك لوجدنا ان ما تفوه به وما صدر عنه يعاني منه هو نفسه ويحاول تغطية نور الشمس بالعباءة حيث ان هذا الامر مستحيل.
ويأتي سواه من طرف اخر يخيل له ان النموذج المثالي الذي يحتذى به ، هو المثال الصحيح لمنصب الزعامة، ويبدأ بدوره الصاق التهم الباطلة ، او يسلط كلمات نابيّة ، وقد يختلق احداثا ويميل لتصديقها رغم اختلاقه لها ، ويروجها بين الناس وتصبح وبسرعة فائقة لسان حال الناس وقسم من الناس يصدق ويميل ايضا للحط من قيمة هذا الزعيم، هذا الامر بدون شك قد ينتج عن فشل لدى هذا المرء او عن حقد او مصلحة لم يحصل عليها او مجرد تجنٍّ لغرض في نفس يعقوب.
ففي مثل هذه الاحوال على الغالب يكون هذ النفر من بني البشر هو عالة على البشر بل هو عالة على نفسه، وقد يكون ايضا مريضا بمرض لا علاج له فهو مرض الانانية القاتلة ومحاولة تغطية فشله وتقصيره في هذه الحياة تجاه نفسه ، تجاه عائلته واسرته عن طريق لفت الانظار ، تجاه الآخرين وفي معظم الاحيان هذه تجارة خاسرة قبل ولادتها.
وما من شك ان المجتمع على اختلاف طبقاته وفئاته زاخر بالآراء، زاخر بالافكار ويزخر ايضا بالمستجدات وبالانتقادات البناءة ومنها التافهة الصادرة من اجل النقد ليس إلا ، وهذا المرء ينتقد وبشدة قيادة ذاك المرء ويلصق به كل الصفات غير المألوفة ويدّعي أنه إنسان قيادي فاشل ، قيادي محدود الافكار، والتصرفات ، لا يمكن أن يحتل هذا المنصب وقيادته ، وقد يغرق هذا المرء في طغيان نفسه ، ويروّج دعايات على اليمين وعلى الشمال ليضرب بها مكانة المرء القيادي الكفء الذي يقوم بأداء دوره القيادي بشكل جيد، وبعد فترة زمنية محدودة وبمحاسبة النفس وجلوسه مع ضميره على انفراد ربما يتيقن هذا المرء اذا وجد لذلك سبيلا، نعم يجد انه تجنى بتصرفه على هذا القيادي وبدوره يبدأ بالتراجع إذا استطاع ذلك، لان مثل هذه الامور تتطلب القدرة على التفكير والقدرة على محاسبة النفس، والقدرة أيضا على اتخاذ القرارات وقول الحقيقة أولا لنفسه ومن ثمّ للغير، وعندها يبدأ بتأنيب ضميره إذا أحسن ذلك طبعا، ويعترف على الاقل لنفسه بأنه ارتكب خطأ أو قيّم الآخر بشكل خاطئ الا اذا كان متعمدا في ذلك، فلا مكان لمحاسبة النفس ، وما يبقى له في كل الحالات إلا الحسرة والفشل ونبذه من قبل الآخرين نتيجة تصرفاته.
وقد يرى المرء وعن قرب كيف يقوم أُناس محدودو النشاط، محدودو المعرفة، كُسالى متخبطون، يكادون يكونون أغبياء، لا يدركون جيدا ما يدور حولهم ، مشغولون في القال والقيل، لا يأخذون على عاتقهم أي شيء إلا وكان مصيرهم الفشل، لضعفهم ولغرورهم بأنفسهم، أناس كهؤلاء كُثر وللاسف وتراهم أيضا لا يقفون عند هذا الحد فتراهم يكنّون كل البغضاء لنفر من الناس والمعروفين بعصاميتهم، بمثابرتهم وبتصميمهم وحققوا الكثير الكثير في حياتهم الاجتماعية ، الثقافية وحتى بأحوالهم الاقتصادية، ولم يألوا جهدا في العمل المتواصل الذي قادهم من نجاحٍ الى نجاح، ويستمر هذا النفر من الناس بالتمادي والتطاول على من هم ليسوا في مستواهم ، هم ليسوا في عداد العناصر الفعّالة والايجابية في المجتمع، بل هم عالة على هذا المجتمع ، هم بؤرة للسوء والفساد، بؤرة للشر، بؤرة للمشاكل وبؤرة للتخريب، ويكون المدبر والمحرك الاول والاخير لخلط الحابل بالنابل بغية النيل من هؤلاء الناجحين، للنيل منهم ولا يهم بأي شكلٍ أو بأية صورة يتصرفون.
إلا انه في غالب الاحيان تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ويبقى هؤلاء المتطاولون يطوفون في مخيّلاتهم الخاوية، يسرحون ويمرحون في دوامة محدودة، وتمرّ الايام والاعوام وهم كذلك وربما حققوا إنجازات في الاتجاه المعاكس، والامثلة كثيرة ولا حصر لها في ثنايا المجتمع.
وعليه لهؤلاء الناجحين والمثابرين والعصاميين نقول وبكل اعتزاز: سيروا والله يرعاكم، لانه على قدر أهل العزم تأتي العزائم، وطالما الطريق سليم والنوايا طيبة والعمل موضوعي فلا تكترثوا أبدا بالمتطاولين والمتمادين حيث ان مصيرهم حتما هو الحفاظ على منزلتهم في الفشل والاصطياد بالمياه العكرة ولا يتقدمون قيد انملة.
فالمجتمع في رأيي براء من هؤلاء والافضل لهم أن يفيقوا من سباتهم ويروا الحياة كما هي، ويكفيهم نوما وسباتا في وضح النهار، لأن الامر على أرض الواقع غير ذلك، ورُبما أن هذه الصحوة من هذا السبات تحثهم أو تقودهم الى الحياة الافضل ويصحون صادقين مع أنفسهم أولا وإن صح ذلك حقيقةً يصدقون مع المجتمع ثانيا.
(ابو سنان)
