لست عالما ولست فقيها في أمور الدين إنما لي عقل وعاطفة وفكر وحواس أميز فيها كلها ما بين الخير والشر والنافع والضار والغث والسمين. ومن منطلق الدفاع عن الدين وفصله عن السياسة والتركيز على الأخلاق والمجتمع والمعاملة الحسنة ودرء الانكفاء على الذات لا بد لي في هذه العجالة من الإشارة إلى خطر ما يشوب الدين ويعلق به من شوائب فيبدو سخيفا وليس هذه رسالته. أتحدث عن الدين بالمطلق، بما في ذلك الأديان غير السماوية. وهذا الخطر لا يبعد الناس عن الدين وحسب بل يجعل منه نقطة خلاف عصبية رئيسية بين البشر . من أسوأ ما تلقيت خلال شهر رمضان على البريد الالكتروني رسالة قادمة من فرنسا. يقول فيها صاحبها وهو غير مؤلفها أحاديث ما لم ينزلها الله في أي كتاب عن ليلة القدر وفضلها وأرجح لياليها وما على المؤمن المسلم أن يفعل فيها . فيبدأ هذا الكاتب الفذ بثقافة الموت إذ انه يدعي أن معدل عمر الإنسان في انخفاض مستمر بين 60-70 عاما. وقد طرح هذا المعلومة بشكل خاطئ على أنها خلفية علمية ، خدمة لما يريد أن يصل إليه وهو أولا الترهيب والخوف و ثانيا ان الله سبحانه وتعالى عوّض على الإنسان خسارة عمره المديد الآخذ بالتقلص بأن منحه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر . كل ذلك أولا مبني على فرضية خاطئة علميا ،( معدل عمر الإنسان في ازدياد وهو في هذه البلاد 80 بين الرجال و81 بين النساء . ) وثانيا لا علاقة سببية بين هذا المعدل وهذه الليلة، والله أمرنا دائما بأخذ الأسباب . وهذا الكاتب الفذ حفظه الله يتكرم علينا ويذكر ستة أسباب للتسمية – شرفها عظيم- يقدر فيها ما يجري خلال كل السنة أي لا علينا أن نتعب أو نشقى فالكل مقدر سلفا في ليلة القدر ، ينزل فيها ملائكة ذات قدر أو ربما لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر وقيل لان فيها للطاعات قدرا عظيما (أي اننا يمكننا فيما عداها أن لا نطيع أو على الأقل للطاعات لا يوجد قدر عظيم) وهذا الكاتب الفذ غير واثق من كل ما يقول فيتابع تخرّصاته قائلا : وقيل لان من أقامها وأحياها صار ذا قدر ... وعليه فنلخص مع هذا العبقري أن لوح الأقدار ينزل بهذه الليلة لكن بالتقسيط المريح كل سنة بسنتها وليس كما كان لوح الأقدار مثل أربعة آلاف سنة عند قدماء الوثنيين في العراق وسوريا – سومر وأكاد وبابل ... لكن الغريب عند هذا العبقري الذي يتلاعب في عواطف وعقول الناس البسطاء قوله بان الله قد قدر كل شيء قبل أن يخلق الخلائق بخمسين ألف سنة ! لماذا خمسون ألف سنة ؟ الله اعلم و صار مارق 35 مليون سنة على انقراض "عمو" ديناصور . المهم أن مثل هؤلاء البشر يتمادون أكثر فيتكاثر الجهل و لا من يقف ويقول لهم : كفى ! قال لا فُض فوه : ان أحدهم شرب فيها من ماء البحر فإذا به ماء عذب نمير ومن علاماتها أن الشمس تطلع بدون شعاع معتدلة الحرارة وفيها تطوف الملائكة في البيت العتيق فوق رؤوس البشر ولا تنبح الكلاب ولا تنهق الحمير و الله يستجيب للدعاء . وبعد فأنت إذا كنت مثلي لك عقل يسأل عن الأسباب تتعب وتدوخ وتتهم بالزندقة و الكفر و الإلحاد كما في العصور الوسطى . ويل للدين من أدعياء الدين، ويل للإسلام من المسلمين وويل للشيوخ الذين يفتون عن جهل ولا يدركون الحكمة مما وراء ليلة القدر ومعناها ومضمونها العبقري.
