اتفاق أوسلو.. الفرصة الضائعة

single

لا منفعة ترجى من إعادة التذكير بالقابلة القانونية لاتفاق أسلو، أي بالظروف والمناخات السياسية التي أدت إليه. ومع ذلك يستحضر الفلسطينيون "شبح" أوسلو إما شتماً أو مدحاً. وبين المغاليين في الشتم، والمغاليين في المديح، تكمن الحقيقة في اتفاق أوسلو، في أنه اتفاق إطار يعج بالثغرات ومليء بالانجازات، التي تحولت مع مرور الزمن إلى حقائق راسخة، لا يمكن نفض اليد منها، كما لا يمكن التأسيس لحالة قطع مع نتائجها، دون توقع انفتاح الصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي على احتمالات شديدة التنوع والخطورة في ذات الوقت. كل اتفاق هو في نهاية الأمر محصلة للظروف المتنوعة التي أحاطت به وأنتجته، ومع ذلك دعونا نتساءل من باب الرياضة الذهنية، ماذا كان يمكن أن يكون مصير القضية الفلسطينية، لو لم يلتقط الرئيس الراحل ياسر عرفات هذه اللحظة،وما هو الثمن الذي توجب علينا دفعه، في تلك المرحلة التاريخية التي شهدت تصدّع جدران الاستناد الأساسية الدولية والعربية.
وهل كان بالإمكان استثمار الانتفاضة الأولى استثماراً أحسن من ثمرة أوسلو؟! سيتجادل العقل السياسي الفلسطيني في هذا الأمر كثيراً، لكن حقيقة ناصعة الوضوح، رغم وهنها، توّلدت وترسّخت في المعادلة السياسية الدولية، حقيقة، أن الفلسطينيين قد نجحوا في تأسيس كيانية سياسية، معترف بها عالمياً ولا يمكن القفز عنها بأي شكل من الإشكال. تماماً كالخطأ الفلسطيني التاريخي القاتل، الذي لم يولِ الاستيطان الأهمية المناسبة، عند صياغة اتفاق إعلان المبادئ، بالرغم من حقيقة تضمن اتفاق إعلان المبادئ لنصٍّ يمنع على الطرفين "إجراءات" تمس بالحل النهائي الذي كان يجب أن يتوج بتنفيذ قراري 242،338.
ومع ذلك، وبعد عشرين عاماً، على إعلان "أوسلو" يمكننا القول، بان الإسرائيليين، على تنوع اتجاهاتهم، اليمينية واليسارية، كانت لهم اليد الطولى أساساً في تفكيك اتفاق أوسلو، والاتفاقات التي أعقبته، ومحاولة طمس المرجعيات الدولية للصراع الفلسطيني _ الإسرائيلي، واستبدالها "بما يتفق" عليه الطرفان! وسط حمّى الاستيطان التي تضاعف وبوتيرة غير مسبوقة بعد توقيع إعلان المبادئ وحتى اللحظة في محاولة مكشوفة وواضحة لتقويض روح اتفاق السلام الموقع، وخفض سقف الطموحات السياسية للشعب الفلسطيني إلى أدنى مستوى ممكن، بعد التهام اكبر قدر ممكن من الأرض الفلسطينية، وعزل الكينونة السياسية الفلسطينية في غيتو، أو غيتوات معزولة، والسيطرة على حدود الدولة الفلسطينية مع الأردن. أي السيطرة الكاملة على الأغوار، وبكل تأكيد السيطرة على القدس الشرقية، بعد عزل التكتل السكانية الفلسطينية المجاورة لها.
والآن، وفيما تعيد الذاكرة السياسية الفلسطينية والإسرائيلية ذكرى اتفاق أوسلو، تتواصل العملية التفاوضية، ولكن هذه المرة دون أوهام أو توقعات ايجابية، بحدوث اختراق في العقلية الكولونيالية الإسرائيلية، يمكّننا من الوصول إلى أي اتفاق. ولم يكتف الإسرائيليون في تسطيح المفاوضات الراهنة، فحسب، بل وبدأوا بنعيها المسبق، وعلى لسان رئيس وزراء إسرائيل، الذي ما انفك يعيد اجترار العوائق والأوهام على شكل شروط تعجيزية يضعها أمام الفلسطينيين. ستبقى العملية التفاوضية الراهنة، على استحالة تقدمها، ورغم السقف الزمني الذي وضعه الأمريكان، مجرد واجهة غير قادرة، حتى، على حجب الجرائم اليومية الإسرائيلية بحق العملية السياسية التفاوضية نفسها.
ويمكننا القول وعلى ضوء التجارب التفاوضية المريرة مع الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أن لا مستقبل لأي عملية تفاوضية مع الإسرائيليين، دون تدخل فاعل ونافذ للمجتمع الدولي وفي مقدمتهم بحكم الأمر الواقع، الولايات المتحدة الأمريكية. فكل فرصة تفاوضية جديدة، وبدون تدخل دولي، هي وصفة يمكن أن يعقبها انفجار لا يمكن الإلمام بأبعاده ونتائجه.

 


(حزب الشعب الفلسطيني)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تهجير الجاعونة

featured

لذكرى رفيقنا العزيز زاهي كركبي

featured

الأسباب والدوافع والتحديات التي تواجه حماس

featured

مراوغة اسرائيلية للابتزاز السياسي!

featured

الأطباء المتخصِّصون وبلطجة الحكومة

featured

أين أنت واين كان المرحوم عبد الناصر!

featured

فلسطين واليونان في السياسة والأديان