مرَّت سنة على رحيل طيِّب الذِّكر الرَّفيق العزيز زاهي كركبي (أبو خالد)، فما أصعب الاستسلام للقدر الذي لا يكلُّ ولا يردُّ ولا يُبدِّلُ، فكم من أخٍ لك لم تلدْه أمُّك.
إنَّ معرفتي بأبي خالد قديمة، منذ أن أتيتُ حيفا في أوائل خمسينيَّات القرن المنصرم، وبدأت عملي في جمعيَّة قوت الكادحين التَّعاونيَّة، حيث نوَّر لي دربي وفتح الطَّريق أمامي..
لقد كان أبو خالد قائدًا سياسيًّا ومعلِّمًا وصاحبَ الرَّأي السَّديد، كان شيوعيَّا، ماركسيًّا لينينيًّا، مثقَّفًا ومثقِّفًا، حيث تبوَّأ مراكز حزبيَّة رفيعة المستوى، قطريَّة ومحليَّة، وكان أهلاً لها، منذ أن كان شابًّا يافعًا، حين كان أحد مؤسِّسي عصبة التَّحرُّر الوطنيِّ الفلسطينيِّ، وأحد أركانها الأساسيِّين.
كان صامدًا ثابتًا في طريقه، لم تنل منه العواصف العاتية ولا الإغراءات الماليَّة "السَّخيَّة"، منذ أن كان موظَّفًا في بنك باركليس، في حيفا، فحين طلبه الواجب الحزبيُّ بأن يتفرَّع للعمل محترفًا فيه لبَّى الطَّلب وأصبح جنديَّا فيه متخلِّيًا عن كلِّ المحفِّزات، ومغلِّبًا المصلحة الحزبيَّة فوق مصلحته الشَّخصيَّة، وهذ إن دلَّ على شيء فإنَّه يدلُّ على روح التَّضحية العالية والتَّفاني من أجل مصلحة المجتمع..
لقد كان الرفيق أبو خالد رئيسًا لدائرة التَّثقيف المركزيَّة في الحزب الشُّيوعيِّ، إلى جانب الكثير من المهام الحزبيَّة القطريَّة والمحليَّة، فكان الرَّجل المناسب في المكان المناسب.
كان الرَّفيق زاهي كركبي مرشَّح قائمة الجبهة لعضويَّة بلديَّة حيفا الأوَّل، في العام 1978، حيث حصلت الجبهة على مقعد واحد، في المجلس البلديِّ، وكان ممثِّلاً حقيقيًّا ومدافعًا عن مصالح الجماهير الحياتيَّة اليوميَّة في المدينة، فقد دافع بكلِّ قواه عن حقوق الجماهير في حيفا، عربًا ويهودًا، فالبذرة التي زرعها الرَّفيق زاهي، نمت وكبُرت، وما زالت تنمو وتكبُر، واليوم نقطف ثمار زرعِهِ وزرعِ من جاء بعده، وتضاعفت قوَّة الجبهة داخل المجلس البلديِّ، وتعمَّقت ثقة الجماهير بممثِّليه، أعضاء الحزب والجبهة.
لقد كنتُ مرافقًا له في العمل الميدانيِّ، زيارة الأحياء والبيوت لحسِّ نبض الشَّارع والوقوف عن كثب أمام مشاكلهم اليوميِّة من أجل إيجاد حلٍّ عادلٍ لقضاياهم، وقد كنتُ استمدُّ منه القوَّة والخبرة والتَّجربة، وأصبحت الجبهة والحزب عنوان السُّكان لطرح مطالبهم المُغيَّبة..
لقد حالفني الحظُّ أنَّنا كنَّا في خليَّة حزبيَّة واحدة، خليَّة قيسارية، في حيِّ وادي النِّسناس، وقد كانت هذه الخليَّة بيتنا الدَّافئ ومدرستنا التَّثقيفيَّة، فقد كنَّا ننطلق منها للعمل في الأحياء دون كلل أو ملل.
لقد كان للرَّفيق زاهي كركبي، أبو خالد، دور كبير في العمل السِّياسيِّ والاجتماعيِّ، كما كانت تملي عليه مبادئه الحزبيَّة، كان إنسانًا أمميًّا، يحب الخير للجميع، معاديًا لكلِّ أعداء الشَّعب وعملاء السُّلطة الحاكمة، كان سجلُّه النِّضاليُّ حافلاً بالمواقف الوطنيَّة المشرِّفة، لكن مهما كُتب عنه وقيل فإنَّ هذه الكلمات لا توفيه سوى القليل من حقِّه علينا..
تعازينا إلى رفيقة دربه الرَّفيقة ماجي، أم خالد، التي وقفت إلى جانبه دومًا، ورافقته مسيرته
الكفاحيَّة دون هوادة. أتمنَّى لها دوام الصِّحة والعافية والعطاء وطول العمر وهذا ما اتمنَّاه أيضًا لأنجاله الكِرام وأحفاده وجميع آل كركبي وطوبي.
لتكن ذكراه مخلَّدة..
(حيفا)
