برنامجان إسرائيليان خرجا من أدراج الأجهزة الأمنية وأحزاب اليمين الإسرائيلي تجري مناقشتهما، والعمل على تسويقهما لحل المشكلة الفلسطينية وفق المصالح الإستراتيجية الإسرائيلية أمنياً وديمغرافياً، كي تبقى إسرائيل دولة إقليمية فاعلة ذات مدى حيوي مؤثر في صنع سياسات المنطقة العربية؛ خدمة لمشروعها الاستعماري التوسعي.
البرنامجان لا يتعارضان مع بعضهما البعض، بل هما وجهان فلسطينيان لبضاعة إسرائيلية واحدة هدفها تحقيق غرضين: أولهما ــ السيطرة على أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية، وخاصة القدس وغور الأردن الفلسطيني والأراضي المقتطعة والواقعة غرب الجدار العازل، وضمها إلى إسرائيل عملياً وواقعياً.
وثانيهما ــ التخلّص من أكبر قطاع ممكن من الفلسطينيين ليكونوا خارج دائرة الدولة العبرية، عبر إعطائهم المدن الواقعة في قلب الضفة الفلسطينية، ليشكلوا دولتهم العظمى بين ما تبقى من الضفة الفلسطينية مع قطاع غزة مقتطعاً منها ثلاث مناطق جغرافية هي القدس والأراضي الواقعة غرب الجدار مع حائط أمني جديد سيبنى على امتداد نهر الأردن بعمق 15 كيلو متراً، ليحول دون وجود حدود أردنية فلسطينية مشتركة، بل مجرد معابر أردنية فلسطينية مسيطر عليها بشكل أو بآخر، ويتم إلحاقها وضمها للمشروع التوسعي الاستعماري الإسرائيلي.
إذاً، هناك جغرافيا فلسطينية يقبل اليمين الإسرائيلي التنازل عنها من أرض إسرائيل ليشغلها الفلسطينيون تقوم على برنامجين، يعمل الإسرائيليون على تسويقهما ويبحثون عن شركاء فلسطينيين يقبلوا بأي منهما.
البرنامج الأول يقوم على ربط ما تبقى من الضفة الفلسطينية بقطاع غزة، بحيث يتحول قطاع غزة إلى المركز الفلسطيني بوجود البحر المفتوح على العالم وسهولة التنقل ومطار وحدود مفتوحة مع مصر، وكذلك توفير طريق آمن بين الضفة والقطاع، يوفر سهولة التنقل بين شطري الدولة التي ستكون عاصمتها مدينة غزة بحكم الواقع والثقل وأولوية الخيار.
أما البرنامج الثاني فيقوم على ربط قطاع غزة مع ما تبقى من الضفة الفلسطينية مع الأردن، ليشكلا سوية دولة واحدة متحدة تحت لافتات مختلفة، تلبي الحفاظ على الهوية الفلسطينية مع الحفاظ على الهوية الأردنية، في دولة غير مركزية تقوم على هويتين ومؤسستين تجمعهما مؤسسة عليا واحدة.
في كلا البرنامجين هناك قناة لجعل التفريغ البشري الفلسطيني مفتوحاً، عبر الأردن أو عبر قطاع غزة، مقرونة بجعل ما تبقى من فلسطين محدود المساحة والحياة وطارداً لأهله، مع سهولة الانتقال إلى عوالم جديدة قادرة على امتصاص النزيف البشري الفلسطيني، في أميركا وأوروبا وأستراليا وغيرها من المناطق.
البرنامج الإسرائيلي معمول به، منذ ما قبل الانقلاب الحمساوي، وجاء الانقلاب ليعزز وجهة النظر الأمنية الإسرائيلية بأهميته ودلالاته، ويجري تسويقه تحت لافتة الحدود المؤقتة للدولة الفلسطينية التي قبل بها نتنياهو علناً في عهد أوباما مع أن فكرة الدولة الفلسطينية كانت مرفوضة لديه وكانت سبب انشقاق الليكود وخروج كاديما من رحم حزبي الليكود والعمل، ولكن قراءة نتنياهو للمشروع الأمني الإستراتيجي الإسرائيلي دفعه لقبول المشروع مقروناً بالاستجابة للإدارة الأميركية، وبذلك التقط عصفورين بحجر واحد، فظهر على أنه تجاوب مع الرغبة الأميركية والدولية، وفي الوقت نفسه عمل من خلال تجاوبه هذا على فرض مقدمات تحقيق المشروع الأمني الإسرائيلي لحل المشكلة الفلسطينية على أرض فلسطين بعدما تعذر حلها خارج فلسطين.
المشكلة الفلسطينية في الحضن الإسرائيلي، وإسرائيل عاجزة عن حلها رغم تفوقها ورغم قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية، ولذلك تسعى لإيجاد حلول متعددة لمعضلتها الفلسطينية، بعيداً عن تلبية حقوق الشعب الفلسطيني الثلاثة :
حق الفلسطينيين في المساواة داخل إسرائيل التي قامت على أرضهم ووطنهم وممتلكاتهم.
حق الفلسطينيين بدولة مستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة: قرار التقسيم 181 وقرار الانسحاب وعدم الضم 242 وقرار الدولتين 1397 وقرار خارطة الطريق 1515 .
حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى مناطق 48 وفق القرار الدولي 194 بعد أن طردوا منها عام 1948 واستعادة ممتلكاتهم فيها والتي صادرتها واستولت عليها الدولة العبرية.
البرنامجان، أو البرنامج الإسرائيلي بشكليه وفق الشريك الفلسطيني المتاح، يشكل أولاً حائط الصد ضد تطلعات الشعب العربي الفلسطيني المشروعة والتي بدت تجد الاستجابة والقبول والتعاطف الدولي، ويشكل ثانياً استجابة للمصالح التوسعية الإسرائيلية، بأقل قدر ممكن من الخسائر الإسرائيلية على مستوى الأرض، وبأقل قدر ممكن من الفلسطينيين الذين سيبقون داخل الخارطة الإسرائيلية مع التخلص من أكبر عدد منهم.
h.faraneh@yahoo.com
