بيوت وبيوت

single

يرى بعض الناس ان البيت سقف وجدران وغرف نوم وصالون ومطبخ وحمام و...بينما البيت دفءٌ ومحبةٌ وحياة.

في مهرجان ذكرى النكبة في ميونخ

الكاتب محمد علي طه: النكبة الأولى لم تُمحَ من خبزنا اليوميّ بل باضت وفرّخت نكبات أخر

حيفا- لمراسل خاص- شارك الكاتب القاص والروائي محمد علي طه في مهرجان ذكرى النكبة الذي نظمته الجالية الفلسطينية في مدينة ميونخ، الاسبوع الماضي، وحضره جمهور غفير من ابناء الشعب الفلسطيني من الجليل والمثلث والمدن المختلطة والضفة والقطاع والقدس والشتات ومن ابناء الجالية العربية من عدة اقطار عربية. كما حضر المهرجان وفد الماني يضم شخصيات اجتماعية وسياسة وفنية.
 وكان الاستاذ طه هو الخطيب الوحيد في المهرجان الذي افتتحه المهندس اسماعيل حسن، رئيس الجالية الفلسطينية في مدينة ميونخ الالمانية، بكلمة قصيرة.
وقال طه"ان النكبة الأولى لم تُمحَ من خبزنا اليوميّ بل باضت وفرّخت نكبات أخر. واذا كانت النكبة الاولى اباها الصهيونية وامها الاستعمار البريطاني والرجعية العربية ملوكاً وأمراء وأئمة وزعماء فأن النكبة الأخيرة التي قصمت الظهر وشطرت العمود الفقري للوطن والشعب ابوها فلسطيني وامها فلسطينية يأكلان الحلال ويشربان الماء الملوث بفضلات المستوطنين ويتنفسان برئة عربية وبرئة اعجمية. ولا شك بأننا جميعاً علمانيين واصوليين، وليبراليين ودمقراطيين ومتزمتين،وانقياء وفاسدين ومفسودين، ومثقفين ومتعلمين وجهلة، ساهمنا بأفعال مباشرة وغير مباشرة بالقول او بالصمت في عملية الحمل النكبوي الأخيرة أو كنا قابلة لميلادها او كنا صماً عمياً او كنا مذعورين من لحية شيخ القبيلة او سبحة الامام". واضاف الكاتب طه"ان ما فعلته اسرائيل في عدوانها الاخير على غزة يكاد يكون صفراً بالنسبة للجرائم والمجازر التي ارتكبتها في العام 1948 ولكن ما جرى في ذلك العام لم تنقله كاميرات التلفاز وصور الصحافة وأفواه المذيعين واقلام الصحفيين بل جرى ملفوفا وملفعاً بستار اعلامي اسود، لا من شاف ولا من دري، فالقتلى عرب فلسطينيون يمتون بصلة للهنود الحمر، لا احد يسأل عنهم او يهتم بهم، واما القتلة فهم ابناء الحضارة الاوربية وضحايا ايدولوجياتها الفاشية، وعرّاب النكبة يتبنى القاتل ويدعمه مادياً ومعنوياً ويرّوج له ويغطي على موبقاته في عملية تكفير لا اخلاقية."
وتحدث الكاتب طه بأسهاب عن معركة الصمود والبقاء التي خاضتها الاقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل منذ العام 1948 حتى اليوم مروراً بأيام الحكم العسكري وعمليات الاقتلاع فيوم الارض واحداث اكتوبر وغيرها. وقال"ان قادماً جديداً ما زال يلفظ اللغة العبرية بلكنة اجنبية لا يستطيع لا هو ولا غيره ان يحدد لنا هويتنا وثقافتنا وسياستنا وتاريخنا وآمالنا وتطلعاتنا ولن نسمح له بأن يتطاول علينا وعلى بقائنا. هذا الوطن لايساوي شيئاً بدوننا. باقون باقون.صامدون صامدون".
وكان الكاتب قد القى محاضرة عن تجربته الادبية امام عدد كبير ومميز من ابناء الجالية العربية.     

والبيت قصة حب تروي سطورها جدرانه وارضه وسقفه وفضاؤه.والبيت ملحمة كفاح انساني يصنعها ربّه قد تكلل بالنجاح وقد تنتهي بفشل درامي وقد يتخلل المسيرة صعود وهبوط،شقاء وراحة،بصل وعسل،حنظل وبنيذ.والبيت ناس وبشر،رجل وأمرأة واطفال،وصبية وشبان وشابات،وعطر وورد وشوك،وحمامة وعصفور دوري،ولكل واحد من هؤلاء رواية ولكل واحد مسرحية هو بطلها وممثلها.
هنالك بيوت عديدة في بلدان عديدة عاش فيها مبدعون،ادباء وشعراء وفنانون،وقد اهتمت حكومات وبلديات تلك الدول بهذه البيوت وحافظت عليها ورممتها وحولتها الى متاحف ومزارات لأبناء الوطن والسائحين الاجانب،واعتبرتها جزء هاما من تاريخها وحضارتها الانسانية.
في صيف العام 1977 زرت هافانا عاصمة كوبا،جزيرة الثورة المشتعلة والحرية الطالعة من بين انياب المستعمر في ذلك الزمن،وفي احد الايام قادني المرافق الكوبي الشاب الثوري الذي يتفجر حماساً الى بيت الكاتب ارنست همنغواي(1898-1961)مؤلف الرائعة الروائية"الشيخ والبحر"والرواية الخالدة "لمن تقرع الاجراس"والحائز على جائزة نوبل للآداب للعام 1954.بيت قديم جميل وصغير يقع على مقربة من الميناء.شاهدت كرسي الكاتب وطاولته وآلة الطباعة ودفتر يومياته وحاجاته الاخرى.
كان ارنست همنغواي الكاتب الامريكي يقضي ايام واسابيع وربما شهوراً في هذا البيت الكوبي طلباً للهدوء والابداع.وحافظت حكومة كوبا الثورية على البيت واثاثه وحولته الى متحف ومزار للبشر كي يتنفسوا فيه عبق الابداع ويبحثوا عن ربات الفن المحلقات في فضاء غرفه.
وفي شهر ايار 2009 زرت مدينة ميونخ الالمانية في مهرجان ذكرى النكبة وفي احد الايام المشمسة الجميلة اصطحبني مشكوراً الاخ والرفيق عفيف سمعان ابن بلدة سحماتا المهجرة في جولة سياحية لاطلع على معالم المدينة الحضارية وعندما دخلنا البلدة القديمة اشار الى كتابة منحوتة بخط بارز على حجر في جدار احد البيوت"هاينرش هاينه-1827-1828)وهذا يعني ان الشاعر الالماني الذي ولد في دوسلدروف في العام 1797 وهاجر الى باريس في العام 1831 وتوفي هناك في العام 1856 وصاحب "كتاب الاناشيد " قد عاش في هذا البيت في شارع هاكن 7  في العامين 1827-1828 أو في اشهر منهما وهذا يعني ايضا ان بلدية ميونخ تعتز وتفخر لأن شاعراً كبيراً عاش فترة من حياته ولو قصيرة فيها.وكنت قد شاهدت كثيراً مثل هذه الامور في بودابست عاصمة هنغاريا.
اين نحن من هذه الشعوب الاوربية والامريكية الجنوبية التي تهمتم وتفخر بمبدعيها وتحافظ على بيوتهم وآثارهم؟
عاشت الاديبة المعروفة مي زيادة(1886-1941)سنوات في مدينة الناصرة، في حي السوق ،وما زال بعض اهلنا النصراويين يذكرون البيت الذي عاشت فيه فهل اهتمت بلدية الناصرة الوطنية بوضع لافتة على البيت تشير الى ذلك؟وهل فكرت بلديتنا يتحويل البيت الى متحف لآثار الاديبة المعروفة؟
واما مدينة حيفا فقد عاش فيها عدد كبير من الشعراء والادباء والمفكرين مثل محمود درويش واميل توما واميل حبيبي وابي سلمى ووديع البستاني وغيرهم من خيرة المبدعين الفلسطينيين ويعرف الكثيرون منا البيوت التي سكنوها في شارع عباس وحي الالمانية وغيرهما.فكيف تعاملنا مع هذه البيوت؟لا لافتة تشير الى ذلك..حتى لافتة معدنية صغيرة.
هذه البيوت تروي قصة حضارتنا وثقافتنا وتحكي قصص الصمود والبقاء في هذا الوطن الجميل وتقص حكايات الكفاح والنضال والتي عاشها هؤلاء المبدعون ولا شك بأن حجارتها وابوابها وسقوفها تحتفظ باسرار انسانية وبقصص وبنوادر رائعة ولا شك ايضاً ان فضاءها ما زال يذكر ميلاد قصائد واغاني وقصص وروايات وابحاث ومقالات.
هذه البيوت جزء هام،فصل هام من مسيرة وتاريخ هذا الشعب الصغير العريق.
هل سنحافظ عليها؟
كيف؟ومتى؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشموخ والتصدي افضل رد

featured

..ولكنها ليست "بطولية"!

featured

لكم ناصَرتكم وليَ النـاصرَة

featured

ظمئ الشرق، فيا شام اسكبي...

featured

لم يُعلّمْني لكنّه علّمَني