جماهيرنا أقوى من الفتن الطائفية ومشعليها والواقفين خلفهم

single

إذ كانت فلسطين التاريخية، مهد الديانات السماوية الثلاث، من المسيحية واليهودية والإسلام، وبقية المذاهب الأخرى، الموحدين الدروز والشيعة وكافة المعتقدات الدينية والمذهبية الأخرى، فهو دليل قاطع على ان هذه الأرض وهذا الوطن الذي سُلب من أصحابه الأصليين والذي ليس لنا سواه، يجمع في أحشائه وأحضانه منذ عصور مضت بذور النسيج الاجتماعي والألفة والمحبة والتسامح بين بني البشر، على قدم المساواة والاحترام المتبادل بين المركبات الاجتماعية كافة، للأجيال كافة التي عاشت وتوارثت على هذه الأرض الطيبة والمباركة، بل استطاعت ان تصون، الوحدة الداخلية في أسوء اللحظات التاريخية. هذه المركبات شكلت وحدة اجتماعية وسياسية واقتصادية متكاملة في التصدي للغزاة الأجانب من الجيوش المتوحشة والاستعمارية كافة، والتي غزت بلادنا ومجموع البلاد العربية، بهدف تركيع شعوبها وسلب ثرواتهم واستعبادهم بالحديد والنار.
إننا نشأنا مسلمين ومسيحيين ودروز، وهذا شركسي (وهم ليسوا مذهبا بل مجموعة قومية) وذاك شيعي. لكننا  متساوين في الحياة والاخوة والإنسانية، وان مجموعاتنا الدينية التي ينتمي كل واحد منا لها، تحترم وتقدر وتؤمن بالخالق رب الجميع على الأرض والحياة الإنسانية، فطالما هذه الأرض العربية وفلسطين بالذات تعاني الجراح منذ زمن، وهي التي احتضنتنا جميعًا على مختلف معتقداتنا ومذاهبنا وإيماننا، عندئذ يصبح الوطن هو الذي يجمع شملنا ويحافظ على نسيجنا الاجتماعي. إننا مدينون لهذه الأرض ولهذا الوطن في الوقت الذي يتعرض وطننا وأرضنا الغاليان ونسيجنا الاجتماعي إلى التمزق والدسائس والفتن والمؤامرات، ويحاول البعض منا ان يصطاد من الآخر على حساب الاخوّة والوحدة والشراكة الإنسانية والمصير المشترك، ضاربًا عرض الحائط بكل المقاييس والأخلاق والمقدسات، بغية بلوغ الهدف في الوصول إلى مبتغاة السياسي والذاتي طمعًا في كرسي في البرلمان أو عضوية ورئاسة سلطة محلية أو وظيفة تخدم مصالحه ومشاريعه الاقتصادية، املا في تعبئة جيوبه بالمال الحرام المنقوع بالعمالة والوساخة والمبلل بالطائفية السياسية والانتخابية.
ان وحدة وكرامة الطائفة هي جزء مكمل وأساس وشامخ ورصين من وحدة الطوائف والأطياف الأخرى المكونة لشعبنا، ويجب ان تصب في وحدة وصيانة وكرامة الإنسان كانسان الذي هو عماد الشعب والوطن. ان اللعب على وتر الانعزالية السياسية والطائفية، كما رأينا في المشهد الانتخابي في بعض المواقع والتجمعات السكانية ذات الأطياف المتعددة، في الانتخابات الأخيرة للمجالس والبلديات، هو أمر مرفوض كليًا وأخلاقيا واجتماعيًا وإنسانيًا من نواحي مجتمعنا العربي كافة، وهذا النوع من اللعب هو ليس خطرا فحسب، وإنما من الممكن ان يمتد لهيبه إلى داخل بيوت مشعليه والمجتمع العربي ككل، ونعتقد ان ما ترسم له سياسة بطيخ يكسر بعضه الصهيونية بكل أحزابها، يهدف إلى إضعاف صوت الأقلية الفلسطينية وتفتيت وحدتها الكفاحية والاجتماعية من اجل القضاء عليها، أو ترحيلها أو تركيعها بدون أية حقوق قومية أو سياسية أو يومية باعتبارها مواطنين في أدنى درجات السلم الاجتماعي والسكاني.

*الصراع الحقيقي-مع السلطة*


ان الصراع والتنافس ليس بين هذه الفئة أو الطائفة أو تلك، كما يحاول حكام إسرائيل تصوير الأمور في وسائل إعلامهم المختلفة والمفضوحة والمدسوسة والمطعمة بمذاقات سكر وعنبر، لكن مضمونها وجوهرها تعزيز التناحر القومي والطائفي وتفضيل هذه الطائفة على تلك خدمة لأهدافها التقسيمية ومصالحها السياسية، ولهذا فالصراع هو بين مجموع الجماهير العربية الفلسطينية المتشبثة في أرضها وتعيش على إنقاذ ما تبقى لها من بيوت وقرى وارض بعد ان سُلب منها الوطن وتشرد الشعب بأكثريته الساحقة، وبين سياسة الصهيونية العنصرية التي يعتمدها حكام إسرائيل اليوم، في التعامل اليومي والقومي مع هذه الجماهير العربية التي بقيت في وطنها، وهذا ما يقلق حكام إسرائيل، ولهذا يفكرون ويرسمون ويخططون في كيفية التخلص من هذا العبء السكاني الأخذ بالازدياد والذي اسمه العرب في إسرائيل والذين يشكلون 20% من عدد السكان في الدولة الذين يطلقون عليها "الدولة اليهودية".
وان ما يجري لإخواننا في النقب من هدم وتشريد ومصادرة وملاحقة وحرمان، يدخل من باب عنصرية المؤسسة الصهيونية التي لا تفرق بين طائفة وأخرى، وإنما تتعامل مع مواطنيها العرب بكل انتماءاتهم السياسية وأطيافهم الدينية والمذهبية، على أنهم خطر سياسي وسكاني وديمغرافي وامني على الدولة الصهيونية. ولهذا تعمل المؤسسة الحكومية جاهدة على تفريق الصفوف في مجتمعنا العربي وبعثرتها إلى مجموعات وطوائف وعائلات وعشائر للحيلولة دون تحقيق أي ربط وطني وقومي ويومي في السعي لانجاز الوحدة السياسية والقومية والاجتماعية بما يخدم الجماهير العربية في معركتها المصيرية نحو تحقيق السلام والمساواة ونيل الحقوق كاملة.
ولهذا تخاف المؤسسة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل من تنامي الوعي السياسي والوطني والقومي مع ازدياد الوزن الكمي والنوعي الأخذ في زيادة المساحة واتساع وتشعب أشكال النضال والمواجهة لتشمل اطرا ومؤسسات وفئات كثيرة أصبحت على استعداد للمشاركة في مجموع النضالات الطبقية واليومية لمجموع الجماهير العربية في إسرائيل.
ان ثمرة الكفاح في بلوغ أوجها، لا بد ان تستقطب الضمير والعقل والفكر، وان وحدة الشعب والجماهير العربية الفلسطينية الباقية على تراب وطنها، هي نتيجة وثمرة لهذا الكفاح الذي يمتد لأكثر من ستة عقود من الزمن، والتي شاركت وتشارك به كل أطياف شعبنا وجماهيرنا. وإذ حاولت الحركة الصهيونية وحكام إسرائيل ونجحوا في مرحلة معينة من مراحل الصراع غير المتكافئ في ثني أو تحييد أو تهميش جزء أو فئات من أجزاء متكاملة من هذا الشعب، فهو يعود للطبيعة الاستعمارية والعنصرية للصهيونية وحكام إسرائيل ومحاولاتهم المستمرة في شق صفوف الجماهير الفلسطينية الباقية في وطنها.
ان الحركة الصهيونية وسياسة الاضطهاد والتمييز القومي تستطيع ان تستأثر وان تقسم وتهمش وتدجن قسما أو فئات من الشعب المضطهد، لكن لا تستطيع ان ستقوي على كل الشعب والجماهير المضطهدة لكل الوقت. ونجاحها الجزئي هذا يعود إلى ما تملكه من قدرات وإمكانيات لبسط سيطرتها وتسهيل مهامها ونفوذها مستعينة ببعض القوى من الجماهير العربية لمساعدتها لإتمام إحكام السيطرة الكاملة والتي تتراوح بين سياسة العصا والجزرة التي تمارس على مجموع الأقلية العربية في إسرائيل.
ولهذا تتراوح مهمتنا الحالية وتتمثل في كيفية الخروج من شباك السلطة واذرعها في مرحلة ما بعد الانتخابات الأخيرة، والأمر الآخر هو السعي الدائم لمحو الآثار السلبية للمعركة وتأثيرها على النسيج الاجتماعي لجماهيرنا في التقليل والضرب بيد قوية على العصبية العائلية ومحاربة الطائفة بالسعي المشترك مع الأطر والمؤسسات العامة وفي المدارس والمناسبات الوطنية والاجتماعية لاجتثاث المزاج الطائفي والعائلي والمذهبي والعشائري الخطيرة من بين جماهيرنا.


* أمام السياسة العنصرية وامام مثيري الفتن *


ان الوطنية الحقة لا يمكن ان تنسجم مع الطرح الطائفي والعائلي. اننا نفتخر ونعتز لهذا النسيج الاجتماعي المكون لشعبنا وجماهيرنا الباقية، ان درزيتنا وإسلامنا ومسيحيتنا هم التاج على رؤوسنا، نور على نور وكنز من كنوز الإلهام والمعرفة وينبوع من ينابيع الإيمان والإنسان والخالق على الأرض. نسعى جميعنا في الحفاظ على قدسية الإنسان كانسان وحريته في نشر روح المحبة والعدالة بين بني البشر. فتقوية الروابط الداخلية بين أطياف المجتمع، يقوي اللحمة بين كافة فئات وشرائح مجتمعنا العربي، مما يشكل سدًا منيعًا أمام السياسة العنصرية وامام مثيري الفتن والنعرات الطائفية والفئوية المرتبطة بالسلطة، ومنعها من ان تتغلغل داخل جسمنا الواحد من اجل تقسيمه، لان جسمنا واحد لا يستطيع العيش والتطور والازدهار وتحقيق مطالبه اليومية والقومية الا إذا كان جسما متكاملا ومتفاعلا ومتجانسًا ومنسجمًا يستطيع عندها ان يجيد بكل دقة ترتيبات ونمط حياته اليومية والوطنية وان يضع لنفسه برنامجًا متكاملا لمواجهة التحديات والأخطار المحدقة به، بالوحدة والتكامل فقط نستطيع ان نهزم سياسة مضطهدينا.



(كويكات/ أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

اقرأ طه تقرأ صفورية

featured

مؤتمر فتح السادس: نهج التسوية السياسية هو الخيار الاستراتيجي المشحون بثوابت الحقوق الوطنية!

featured

مصر في "غرفة الولادة"

featured

الى متى السكوت عن الواقع الكارثي القائم

featured

تغيير لقواعد اللعبة..!

featured

الذاكرة الأثريّة المنسيَّة!!

featured

شكرًا لكُم يا شعب مصر