ربما لم يجذب اهتمام الكثيرين ما قام به حزب الله من عملية نوعية استهدفت موقعا اسرائيليا في مزارع شبعا، اعترفت بها اسرائيل، واعلنت اصابة ثلاثة من جنودها في تفجير عبوة ناسفة شديدة الانفجار.
قد يكون هذا خبرا عاديا لو التزم حزب الله الصمت، كما حدث في مرّات سابقة. لكن الذي حصل أن المقاومة الاسلامية سارعت الى تبني هذه العملية، والاعتراف بها، وان رجال حزب الله هم الذين نفّذوها. ومع ان اسرائيل ردّت بشكل متواضع اذ استهدفت مدفعيتها الصخور والوديان المقابلة لمنطقة الهجوم، ولم تستهدف ايا من القرى والبلدات اللبنانية تجنبا لرد عنيف من حزب الله واكتفت كما فعلته، مؤكدة ان الرد سيكون في الوقت والزمان المناسبين.
هذه العبارة التي جاءت على لسان الناطق الاسرائيلي تلتقي مع العبارات التي كانت تخرج من افواه الناطقين العسكريين العرب بعد كل استهداف اسرائيلي لهم. وهذا ان دل على شيء فانما يدل على العجز والارباك الذي اصاب القيادة الاسرائيلية مما جعلها في موضع لا تحسد عليه، لان عملية حزب الله لم تكن مجرد عملية عادية ارادت ان توقع بعض الاصابات في صفوف الاسرائيليين. فهذا لا قيمة له في الحسابات الكبرى، ولكن ادركت اسرائيل، ومنذ البداية، ان هذه العملية النوعية تجاوزت الحادث المحلي، وان لها ابعادها الاستراتيجية، وتحمل في طياتها رسائل متعددة التقطها الاسرائيليون ولا يزالون يعملون جاهدين على فك رموزها، وفهم شيفرتها، قبل ان يتصرفوا بشكل غير محسوب.
وفي رأيي ان رسالة او رسائل حزب الله من خلال هذه العملية كانت مدروسة وبعناية فائقة، وعلى اعلى المستويات القيادية. كما ان باقي محور المقاومة كان في سر هذه العملية، لان الرسائل الموجهة كانت في الاساس من هذا المحور للمحور الآخر، وفي قلبه اسرائيل. وهو اولا تذكير اسرائيل بان حزب الله، وهو يقاتل في سوريا او يدافع في لبنان ضد الجماعات المسلحة التي استهدفت مؤخرا بعض قواعده، لم تتأثر جهوزيته بالنسبة لاسرائيل. وان هذا الذي يحدث خارج هذه الجهوزية هو من فائض القوة المتراكمة لديه. وهو في الحقيقة انذار لاسرائيل التي تلعب على المكشوف في المدة الاخيرة مع الجماعات المتطرفة، التي سيطرت على معبر القنيطرة في الجولان. وهذا له اولوياته عند القيادة السورية، وعند حزب الله، وان العين مسلطة على ألاعيب اسرائيل ومناوراتها، حتى وان ادّعت انها تعتبر داعش منظمة ارهابية، بينما توفر الدعم بكافة انواعه لاخوات داعش ما دام الامر يتعلق بالنظام السوري والدولة السورية. ثم هناك المتغيرات الاقليمية بعد اتخاذ البرلمان التركي قرارا يتيح للجيش التركي ان يعمل خارج حدود بلده، وتركيا تقترب من التدخل العسكري في كل من سوريا والعراق، وقد اعلنت الحكومتان السورية والعراقية رفضهما مثل هذا التدخل، باعتباره عدوانا على السيادة الوطنية، تحت اي حجة كانت.
وحين يلوّح حزب الله بالعصا الغليظة في شبعا، وهي ارض لبنانية محتلة، فان من رسائله الموجهة تنبيه من يقود الحملة الموتورة في كذبة محاربة الارهاب، الا وهي الولايات المتحدة. فقد جاءت رسائل حزب الله من خلال عملية مزارع شبعا بان اي تدخل تركي او اطلسي على الارض السورية، ومن خلال قوات برية، يعني ان النار التي اوقدوها ستصل ايضا الى عمق اسرائيل، وان اسرائيل لن تكون بمأمن من عواقب ما قد يحدث. وهو ما حاولوا تجنبه طيلة سنوات الازمة السورية. واذا حدث مثل هذا السيناريو، فان المنطقة برمّتها ستشتعل بالنار واللهب، مما قد ينذر بحرب عالمية جديدة. وعلى هذا الاساس فان قواعد اللعبة قد تغيرت الآن، وان يد الجميع على الزناد، والكل يسير على حافّة الهاوية. ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالنتائج المترتبة على الانزلاق الى المجهول.
وفي حال تدخل بري في سوريا، فان روسيا اعلنت وبوضوح انها ستزود سوريا باسلحة نوعية للدفاع عن نفسها. ويقال إن في الترسانة السورية ربع مليون صاروخ جاهز للانطلاق، وتستطيع هذه الصواريخ ان تضرب في اي مكان في تركيا وتحديدا اسطنبول وانقرة.
واظن ان دوائر القرار في الغرب الاستعماري ستدرس مراكز ابحاثها الرسائل التي وجهها حزب الله، وهي ليست في خانة المزاح. وقد يغيرون من خططهم، لكنهم ماضون في هدفهم القذر لتفتيت سوريا والعراق، لاقامة كيانات مذهبية وطائفية جديدة. وهذا يعني ان حالة الصراع ستستمر وبأوجه مختلفة، والكل على أهبة الاستعداد. فهل هي المقدمة للواقعة الكبرى؟! لا ادري، لكن ربما، فالايام حبلى بالمفاجآت...!