إذا أردنا أن نبحث عن أعدائنا، عن أعداء العرب عامة، فلا يجب أن نتعب ونُجهد أنفسنا في البحث والتّنقيب كثيرًا؛ ذلك لأنّ أعداءنا وأعداء الأمّة العربيّة هم نحن أنفسنا.. ولا يجب أن نحمّل الغير من غرب وصهيونيّة وإمبريالية وغيرها من الحركات والجهات والدّول المسؤوليّة فيما آل حالنا إليه، بل نحن المسؤولون ولا أحد سوانا.. ونحن الّذين سمحنا - ولا زلنا- للغير أن يستهين بنا ويذلّنا ويستهزئ بنا وينتقص من كرامتنا ومن شأننا وعظمتنا، حتّى أصبحنا عاجزين - وأصبح العالم برمّته عاجزا- عن إصلاح حالنا، والخروج من دهاليز الظلام إلى قمّة النور، ومن حالة المرض والتّرهّل إلى القوّة والعافية. أما من يتربّص بنا، ويحاول إضعافنا، وربّما القضاء علينا جغرافيًّا وتاريخيًّا وحضاريًّا وثقافيًّا وفكريًّا واقتصاديًّا، والذي يتقن فنّ الصّيد في المياه العكرة، فلا هناك من يوقفه عند حدّه، حتى تفرعن واستأسد، وحين يُسأل: "يا فرعون مين فرعنك؟ يقول: ما لاقيت حد يردني"..
يكفي أن تجلس أمام التّلفاز ساعة من الزّمن وتتابع الفضائيّات والأرضيّات، أو أن تتصفّح المواقع الألكترونيّة على اختلافها، لتشاهد العجب العجابا في أرض العرب، نبع الحضارة ومهد الأديان السّماويّة!
لقد أصبحت أرض العرب في أيّامنا هذه حلبة ومسرحا للحروب والمعارك بين أبناء الوطن الواحد، والدم الواحد، بين سنيّ وشيعيّ، ومسلم ومسيحيّ، وسوريّ وسوريّ، ولبنانيّ ولبنانيّ، ولبنانيّ وسوريّ، وعراقيّ وكرديّ، وحمساوي وفتحاويّ، وقطريّ وإماراتيّ، وغيرها من أيام تعود بنا إلى نوسطالجيا أيام عرب الجاهلية، وحرب داحس والغبراء وحرب البسوس، حتى أصبحت مسلسلًا طويلًا يتلذّذ بمتابعته العالم أجمع، وتحوّلت الأرض العربيّة إلى هشيمٍ تنتشر فيه نار الحقد والكراهية والبغضاء والانقسام والتّشرذم بسرعة الصّاروخ لا بسرعة الرّياح، ورحنا نتقاتل طوائف وديانات، حتّى نسينا رب السّماء، ونتحارب فئات وأحزابًا حتى نسينا أوطاننا تسقط سقوطّا حرًّا في أحضان الغرب ومن يدور في فلكه من حركات ودول ومنظّمات.كأنّ متعتنا الكبرى أن نقتل بعضنا بعضا، وأن نشتم ونسبّ ونكفّر ونخوّن بعضنا بعضًا،
وماذا بعد،
فإنّنا وقعنا بكل يُسرٍ وسهولة في فخٍ كان دبّره لنا غيرنا، حتى استطاع أن يأكلنا، حين تحوّلنا إلى ضعفاء بائسين فقراء كل يغنّي على ليلاه، في زمن كنّا أحوج ما فيه إلى الوحدة والتّعاضد والالتحام والتّماسك، ليس من أجل النّهوض بعروبتنا وتاريخنا وحضارتنا وثقافتنا فحسب، بل من أجل احتلال مركز العالم والتّأثير على سياسته وتوازنه، وهي فرصة كانت مهيّأةً ومُتاحةً لنا نحن العرب أكثر من مرّة، وأبرزها عندما تفجّرت كنوز الذهب الأسود في منطقتنا وأراضينا، وشكّلت سلاحًا قويًا لا يمكن مجاراته. ربّما يتّهمني البعض أنّ ما أرمي إليه هو ضرب من الجنون أو الخيال المُفرط واللامعقول، ولكنّه أصبح كذلك لأنّنا تفرّقنا شذَرَ مذرَ ، وقديما قالت العرب: إذا تفرّقت الغنم قادتها العنز الجرباء.
ونسأل هنا: ماذا جنينا من كل هذا الانقسام والتّشرذم؟ ماذا كسبنا من ثقافة التّخوين والتّكفير؟ وهل استطاعت هذه الثقافة أن تُضعف أعداءنا وتكسر شوكتهم؟ أو على أقلّ تقدير أن تعيدهم بضع خطوات إلى الوراء؟
وعلى سبيل الحصر لا القصر، يسمح لي المقام هنا بإيراد التّجربة الألمانية حين خسرت وهُزمت في نهاية الحرب العالمية الأولى، وفُرضت عليها شتى أنواع العقوبات، استطاعت ألمانيا وخلال إحدى وعشرين سنة استعادة عافيتها على كافة الصعد والمستويات، بل كادت تحتلّ العالم في الحرب العالميّة الثّانية! وحسنا ما كان من نهاية لهذه الحرب، ولكن ما يهمّنا في هذا المثال هو: ما هي الوصفة السّحريّة التي ذهبت بهذه الدولة بعيدا خلال سنوات قليلة وجعلتها تحتلّ القمّة وربما العالم؟ والحقيقة انّها ليست وصفة أو خلطة سحريّة سريّة، بل واضحة وضوح الشّمس؛ هي تلك المعادلة التي جمعت بين قمة الهرم وبين القاعدة، بين القادة والشعب، على أساس من الاحترام المتبادل والانسجام والتّناغم والثّقة الكبيرة العالية.
ولمّا كان العالم أجمع قد أحسّ بخطورتنا وقوّتنا في عدة مراحل ومحطّات من تاريخنا الحديث، وخاصة عند التّلويح بسلاح النّفط في أكثر من مناسبة، كان من الطّبيعي جدا أن يرسم خارطة جديدة ترمي إلى تفكيكنا وإضعافنا وأن ننشغل بأنفسنا أكثر من أن ننشغل بأيّ شيء آخر. وهنا لا بدّ لنا من التّساؤل وبكل جرأةٍ وصراحة، هل نحن الذين وضعنا أيدينا على عيوننا حتى أصبحنا لا نرى أو لا نريد أن نرى ما يدور حولنا؟ وأصبحنا نؤمن أن ليس على الأعمى حرج، أم أن غيرنا هو الذي منعنا ويمنعنا حتى اللحظة أن نرى؟