عندما كنت صغيرًا ذهبت عدة مرّات بصحبة أحد أقرباء أمي لمشاهدة ألعاب كرة القدم التي كانت تجري في "كريات اليعيزر" بين مكّابي حيفا وفرق مُستضافة. منذ تلك الأيام، لا زلت أذكر "زمامير" السيارات والشعور بالانتماء إلى الفريق وأهمية وجود زاهي أرملي في صفوفه وحماسي لزاهي لمجرد كونه عربي. أذكر أيضًا قشر بذور عين الشمس التي كانت تملأ أرض المدرّج ووقاحة وفظاظة الجمهور المشجّع. لقد تذكرت كل هذه الأمور قبل أيام وأنا أشاهد اللعبة التي جرت بين مكابي حيفا وبيتار القدس، والتي لعب فيها في صفوف مكابي اللاعب العربي محمد غدير، الذي سجل هدفًا هامًا، والتي انتهت بنتيجة أفرحتني هي فوز مكّابي حيفا بنتيجة اثنان إلى واحد.
بالرغم من فرحي بالنتيجة، إلا أن انتمائي لمكّابي حيفا قد أصبح اليوم ضعيفًا جدًا، ولا يتعدّى حضور ألعابه عبر التلفاز مرة في النصف سنة. بالمقابل، ألاحظ أن الكثير من المشجّعين هم من الـ"محروقين" على هذا الفريق أو على غيره، ممن تراهم يلبسون ملابس الفريق ويُلصقون ملصقات تشجيع للفريق على سياراتهم ويطلقون "زماميرها" على إيقاع أناشيد الفريق، وما إلى ذلك من الظواهر التي أراها غريبة ومبالغ فيها. مثلا، لدينا جار في العمارة التي أسكن فيها يصيح بأعلى صوته مع كل هدف لمكّابي حيفا: "يا الله، يا حلاوة، جول، جول". أما أنا فأبدأ بالضحك في كل مرة أسمعه يصيح، ذلك لأنّي أظن أنه من السخف أن يُطلق شخص ما حنجرته بصراخ يهز العمارة، فقط لأن لاعبًا ما قد نطح الكرة نطحة ناجحًة أو ركلها ركلة فالحًة. دائمًا أسمع هذا الجار يصيح: "جول، يا حلاوة"، ولا أسمعه ولو مرة واحدة يصيح شيئًا آخر مثل "حرية، مساواة، عدالة".
أنا أتساءل ما الذي يدفع شبابنا على مثل هذا التشجيع الأعمى؟ ألا يوجد لديهم شيء آخر يتمسكون به؟ وهل هذا لا يتعدّى أن يكون عشقًا مبررًا لرياضة كرة القدم أم أنه نوع من أنواع الأسرلة التي تفعل بنا فعلها وكأنها ضرب من التنويم المغناطيسي؟. عندما شاركت أبي بهذه التساؤلات أجاب بأن ظاهرة الإعجاب الزائد إلى درجة الافتتان بلاعب متميّز مثلها مثل الافتتان بمغنّي أو عازف تحبه، وعلى اعتراضي على المقارنة بين الموسيقى وركل الكرة بالقدم قال إن الكثيرين يرون لعبة كرة القدم مثل سيمفونية معقدة وممتعة. أنا أوافق على أن كرة القدم قد تكون فنًا جميلاً ولكني أرى بوجوب التمييز بين التمتع بلعبة كرة قدم وبين "الانحراق" على لاعب أو فريق، فعملية التشجيع الأعمى تنطوي على التمسك بشيء إلى درجة فقدان المنطق والمصلحة الشخصية، فعندما يربح الفريق نفرح وكأننا نحن الذين ربحنا وعندما يخسر نغضب وكأن الخسارة كانت من جيوبنا، ولا نقول "الفريق فريق وأنا بحالي".
تقول نكتة أنّه في إحدى ألعاب كرة القدم في السعودية، أتى شيخ لحضور اللعبة، وكانت هذه أول مرة يحضر فيها لعبة كرة قدم. دخل الفريقان وبدأت اللعبة وصار اللاعبون يتحاربون على الكرة. عندها التفت الشيخ إلى مرافقه وقال: "أليس من العيب أن يتشاجر كل هؤلاء على امتلاك كرة قدم واحدة؟!! اذهب الآن وأشتر لهم اثنتين وعشرين كرة، كي يكون لكل لاعب كرة تخصه. عندها سيحل السلام على الملعب".
