انتقال المعركة من الميدان الى السياسة وهي الاصعب..!

single


قبل كل شيء وبعد كل شيء، هناك حقيقة يجب ان تقال، بأعلى صوت، ويجب ان تكرر وان تكون واضحة في كل الحسابات وهي ان غزة انتصرت في الميدان. انتصر الدم على السيف، وانتصر لحم الاطفال المتناثر بفعل قذائف الدبابات وصواريخ الطائرات.. انتصرت غزة رغم جرحها النازف، والثمن الكبير الذي دفعته، ولا ينتقص من هذا النصر اية ادعاءات قد تقال، او تشويهات قد توظف. فالصمود الاسطوري للمقاومة الفلسطينية، وعلى مدار شهر كامل بأيامه ولياليه، في وجه آلة الحرب الهمجية الاسرائيلية، افرز حقائق كبرى، وسطّر ملحمة بطولية نادرة يمكن ان يبني عليها الشعب الفلسطيني في حرب التحرير والاستقلال التي يخوضها الآن بكل جدارة.
لقد أخفقت اسرائيل عسكريا ولم تحقق نصرا وعدت الاسرائيليين به، ان كان ذلك من خلال آلاف الغارات الجوية. وكذلك اخفقت في غزوتها البرية التي تكسرت على بعد مئات الامتار فقط داخل غزة، رغم استدعائها لتسعين الف جندي احتياط، حيث لم تستطع ان تمنع سقوط الصواريخ على مدنها ومستوطناتها حتى لحظة وقف اطلاق النار الذي سعت اليه، وتوسلت لحدوثه هربا من جحيم غزة الذي انصب عليها، وكسر شوكتها، وحطّم هيبتها، وشلّ فاعلية عنصر الردع الذي تغنت به طويلا، فالردع اصبح متبادلا رغم التباين في ميزان القوى. واكبر دليل على اخفاق اسرائيل في هذا المجال انها لم تستطع ان تصل الى القوة الصاروخية للمقاومة، ولا الى اماكن تخزينها. وظلّت هذه القوة وبنفس الوتيرة طيلة ايام العدوان. واسرائيل لم تستطع الوصول الى اي مخبأ تحت الارض تتواجد فيه قيادة المقاومة العسكرية والسياسية. ولم تستطع الوصول الى اي قائد من الصف الاول، ولا حتى من الصف الثاني. وهذا دليل على اخفاق استخباراتي يضاف الى الاخفاق العسكري. واسرائيل في هذه الحرب العدوانية الهمجية لم تستطع حماية جنودها الذين توغلوا لبضع مئات الامتار، وقد وقعوا في مصيدة العبوات المفخخة، وكانوا اهدافا للقنص الدائم من قبل عناصر المقاومة المدربة جيدا والمجهزة بأحدث القنّاصات من نوع "غول". وهي بندقية قنص قاتلة، ومحلية الصنع يصل مداها لكيلومترين.
واهم ما كان في هذه المعركة الاخيرة ان الروح المعنوية والقتالية للمقاومة الفلسطينية كانت عالية جدا، وسيشهد بذلك الجنود الاسرائيليون حين يعودون الى بيوتهم وأحضان امهاتهم، وسيروون لهم التفاصيل الحقيقية التي جرت في ساحة المعركة، وفي قلب النار. وكانت هذه الروح القتالية الباسلة والعنيدة سببا اضافيا في نصر غزة الكبير الذي تحقق. ومثل هذه الروح العالية، وهذا النوع من القتال في ظروف غزة المحاصرة منذ سبع سنوات وذات البقعة الجغرافية الصغيرة، تعتبر مأثرة من مآثر المواجهة التي سجلها التاريخ على مدار الحروب كلها وليس في الحروب العربية الاسرائيلية وحدها. وبالرغم من كل الحمم النارية التي قذفت بها آلة الحرب الجهنمية الاسرائيلية، إلا ان المقاومة الفلسطينية ظلت متماسكة، ومترابطة، سواء على مستوى القيادة او السيطرة. واسرائيل هي التي تخبّطت في هذا المجال اكثر من مرة، وحادث الجندي المفقود اورون شاؤول، والضابط غولدن الذي قالت في البداية انه اُسر وعادت لتقول فيما بعد انه قتل، مثال على هذا التخبط ودليل على فقدان القيادة والسيطرة في هذه الحالات. وكان هذا ارباكا شديدا للقيادة العسكرية الاسرائيلية التي تلعن الآن اللحظة التي دخلت بها غزة، حيث ظهرت عوراتها وتتحسب للجان التحقيق التي سنشهدها في الاسابيع القادمة للقيادة السياسية والعسكرية. فالسكاكين تشحذ حاليا في اسرائيل، وهناك من سيدفع الثمن كما في الحروب والمغامرات تحت عنوان: التقصير وعدم الاستعداد اللازم.



*انجازات وهمية*

وقد يتذرع قادة اسرائيل بانجاز وهمي وهو تدمير ما تدعيه الانفاق الهجومية في التفافي غزة، وتدعي انها اثنان وثلاثون نفقا. وهو كما يدعون ما استطاعوا اكتشافه. والكل يعلم، ولم يعد هذا سرا، ان تحت غزة آلاف الانفاق. وحتى لو كان ما ادعوه صحيحا في كليته او جزئيته فان الذين حفروا هذه الانفاق قادرون ان يحفروا ما يريدون وبداية من فاجأت الآن. وهذا "الانجاز" الاسرائيلي يبقى مثالا للتندر لا اكثر ولا اقل، فالمقاومة فاجأت الاسرائيليين في الدخول الى ناحل عوز وصوفا وغيرهما، حتى بعد ان كانت القوات الاسرائيلية فوق هذه الانفاق. ويمكن للطرف الفلسطيني ان يتفاخر هو وحده فقط بانجاز الانفاق وليس الطرف الاسرائيلي. واسرائيل، التي استغلت الفرصة الذهبية المؤاتية لها في الهدنة الاخيرة لمدة 72 ساعة، والتي اتاحت عمليا وقفا لإطلاق النار من اجل ان تسحب قواتها من غزة هربا من حرب الاستنزاف التي لا تستطيع تحملها او مواجهتها، ادركت حجم تورطها في غزة وعلى رمالها المتحركة. ولكي نكون واقعيين ومحللين للأمور بدقة فان انتصار غزة لا يعني الهزيمة التامة لاسرائيل. لقد فشلت في حربها، ودفعت ثمنا كبيرا حتى بالمستويات التي اعترفت بها، لكن هذا لا يعني الهزيمة بمستوياتها الكبرى، وكان بإمكانها ان تستمر في حربها البرية، وتوغلها داخل القطاع، من اجل ان تقول انها حققت نصرا على المقاومة الفلسطينية، وبعد ذلك تأتي لتفرض شروطها السياسية. اسرائيل هنا احجمت عن هذه الخطوة، ليس لضعف عسكري وهي التي تملك القوى الطاغية، لكنها ادركت انها ستدفع ثمنا كبيرا من جنودها قد يصل الى المئات وربما الالوف، وهي غير قادرة على تحمل هذا الثمن. ثم من قال إن غزة ستبقى وحدها في هذه الحالة؟! ويمكن الرجوع الى بعض الامور الهامة جدا، حتى نعرف لماذا توقفت اسرائيل عند هذا الحد. فالسيد حسن نصر الله في خطابه الاخير في يوم القدس العالمي حذّر قادة اسرائيل بان الاستمرار في الحرب البرية يعني انهم ذاهبون الى الانتحار. ومن هذه الزاوية يمكن تحليل تصريحات الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني، الذي قال بوضوح إن المقاومة في غزة لن تنهزم. كما ان الادارة الامريكية والدوائر الغربية كانت تدرك ان اندفاع نتنياهو في مغامرة قد يصل الى حرب اقليمية شاملة في المنطقة. وهذا ما ارادوا تفاديه خوفا من تداعيات مثل هذه الحرب، التي سيكون كل محور المقاومة في المنطقة طرفا فيها، وقد تكون مثل هذه المواجهة ضربة قاصمة لإسرائيل ولأنظمة اقليمية حليفة لأمريكا، ولم يرغبوا في الوصول الى حافة الهاوية.
وإزاء هذه المعطيات الميدانية وفي مقدمتها نصر غزة فان المعركة السياسية والدبلوماسية قد بدأت الآن والقاهرة محور هذه التحركات والمقاومة، التي استطاعت ان توحد الموقف الفلسطيني الذي تبنّى ورقتها، تمكنت ايضا من ان يتفهم الجانب المصري المطالب الفلسطينية. والمطلوب الآن ان يتبنّاها الطرف المصري. فلا مساومة على الدم الفلسطيني الغالي، فلا تهدئة مقابل تهدئة، وانما المطلوب هو فتح كافة المعابر، ورفع الحصار الظالم على غزة، وتحقيق المطالب الفلسطينية بالكامل وبلا التفاف عليها. وهذه المعركة اصعب من معارك الميدان، فلا يجوز ان تحقق اسرائيل بالسياسة وبالدبلوماسية ما عجزت عن تحقيقه في الميدان. واظن انه من خلال الضغط على اسرائيل وبكل الوسائل يمكن ان تذعن اسرائيل في النهاية الى المطالب الفلسطينية المحقة، وهي في حدها الادنى. ثم يجب الاستعداد من الآن حتى يقف قادة اسرائيل أمام محاكم الجنايات الدولية كمجرمي حرب، فقد كانوا ابطالا حقا، لكن على الاطفال والنساء والشيوخ..!

قد يهمّكم أيضا..
featured

جرائم الاحتلال ومواعظ الاستنكار!

featured

ماذا بعدُ والى اين؟؟

featured

المناضل الشّيوعي العريق جمال مطانس: عاش حرًّا وكالأشجار مات واقفا

featured

حين تتحوّل قوّات الاحتلال إلى نمور من ورق

featured

للوَطنِ الكَبيرِ اليَعرُبي

featured

الفرعون مرسي؟!!

featured

للناصرة شعبٌ يحميها