إن عشت فعش حرًّا أو مُت كالأشجار وقوفًا وقوفًا وقوفًا كالأشجار
نعم ايّها الخال الغالي لقد عشت حياتك حرًّا أبيًّا، لم ترضخ ولم تلن في نضالك العنيد يومًا، وها أنت تفارقنا شامخًا شموخ الجبال والغيوم والأشجار.
نبع عطاء لا ينضب كنت أبا غازي، أعطيت وفاض خيرك الّذي لم ترثه بل صنعته يداك الّلتان لم تعرفا الكلل، فاض على كلّ من حولك، على كلّ من أعوزته الحاجة أو شحّت سبله، رمز الشّجاعة والإباء كنت، ما أن يُذكر اسمك حتّى يعرف الجميع مآثرك خلال عشرات السّنين.
بدأت من الصّعب الأجلّ، بدأت حيث وقفت جرأة الآخرين عاجزة، احتضنت الشّيوعيّين المناضلين الّذين لاحقَتهم سلطات الجور والظّلم، عندما كان احتضانهم بطولة وشرفًا يكلّل من تحلّ قدمهم دياره، حين كان احتضانهم شجاعة قد تكلّف الإنسان حرّيّته أو مصدر رزقه أو خبز أطفاله.
أنت الأبيّ الّذي لم تذلّ يومًا لجور أو ظلم،كم ضحّيت وناضلت وحملت راية الكفاح بشجاعة، قلت كلمتك ودافعت عنها حتّى لو كانت رأي الأقليّة أحيانًا، وهنا تتجلّى الحرّيّة الّتي تحلّيت بها.
عشرات السّنوات في نشاط لا يكلّ ولا يملّ دعمًا للحزب الشّيوعي، حزب الطّبقة العاملة، سنوات من الدّعم لجبهتنا الديمقراطيّة في معاركها اليوميّة وفي معاركها الانتخابيّة. تحدّيت السّلطة وأعوانها حتّى لو كانوا عُصبًا أو أحزابًا أو أذنابًا لأحزاب يكره كلّ تقدّميّ أن يكون قريبًا منها.
صحيفة الاتّحاد، صحيفة حزبنا الشّيوعي تشهد أنّها كانت تأتيك كلّ صباح فلا تترك فيها خبرًا أو تقريرًا أو تحليلًا إلّا وتقرأه، وقد ثابرت على ذلك منذ عشرات السّنين، حين كانت تُوزّع سرًّا، وكنت نصيرها ونصير الحزب الأممي الّذي ثابر على إصدارها رغم محاربة السّلطة ورغم الصّعوبات الماديّة.
على الصّعيد العائلي كنت زوجًا وأبًا وجدًّا وعمًّا وخالًا محبًّا لعائلتك، استطعت بعرق الجبين والكدّ سنوات وسنوات أن تصل وتوصل عائلتك وأبناءك وبناتك إلى الحياة الكريمة وقد بدأت المسيرة من الصّفر ووصلت إلى ما وصلت إليه بتدبيرك أنت وتدبير الغالية أم غازي أطال الّله في عمرها، وباجتهادكما، ربّيتما بنات وأبناء يفخر بهم اهلهم ومجتمعهم، أبناء وبنات ساروا على دربك الكفاحيّة ولم يحيدوا عن النّضال من أجل شعبهم ووطنهم، فنعم التّربية ونعم الأولاد.
لا اقول كلّما ذكرت لأنّك خال غالٍ وعزيز على قلبي، غمرتني بكرمك حين كنت بأمسّ الحاجة إلى الدّعم والعطف والحبّ. فقولي هذا يعرفه القاصي والدّاني، تعرفه أعمال الخير الّتي قمت بها في نشاطاتك الاجتماعيّة والأطر المختلفة كرعاية مصالح الكنيسة وأبنائها والمحافظة على مؤسّساتها ووقفها وهذه خدمة وطنيّة تُضاف إلى مآثرك، وسعيك إلى التّآخي بين طوائف البلد الواحد، فنلت احترام أبناء جميع طوائف القرية- قريتك أبو سنان الّتي أحببتها وأحبّتك، فكنت عظيمًا في هذا الصّنيع فما المحبّة وتقريب القلوب وانتزاع علل الخلاف واجتثاثها إلّا سمة من سمات القياديّين، وأنت كنت قياديًّا وقائدًا فخرنا بك وسنبقى على مرّ السّنين.
باسم العائلة نتقدم بأسمى آيات الشّكر لكل من شاركنا مصابنا بحضور هذا القدّاس أو بإرسال الأكاليل أو بتقديم التّعازي متمنّين للجميع أن تكون أيامهم سعادة وصفاء. للفقيد الرّحمة ولكم من بعده طول البقاء.
(ألقيت في جنازة الفقيد في 25 أيلول 2015 )
