لقد أثلج صدري لقاء الخميس الماضي، في قاعة كنيسة مار يوحنَّا المعمدان الأرثوذكسيَّة في حيفا، بحضور زخمٍ وزاخرٍ، وافر ووافي، كما عوَّدنا النَّادي الثَّقافي للمجلس الملِّي الوطنيِّ الأرثوذكسيِّ، على لقاءات ثقافيَّة دوريَّة، تروي بها ظمأ العِطاش، وتروي لهم، بعد أن تجمع جمهورها بأديبٍ أو شاعرٍ أو فنَّانٍ، روايةً أو أدبًا أو فنًّا أو تراثًا ويكون الكتابُ جديدُ الإصدار، حلقةَ الوصل.
لقد استطاع النَّادي أن يجمع بين الأسد وشبله في سهل خصيب يطمح لأن يكون مزروعًا بالسَّنابل، الصَّفراء النَّاضجة، بأمل عودتهم إلى جليس الخير، الكتاب، فحين تزرع حبَّة منها في سهل خصيب، تنبت سنابل القمح، وفي كلِّ سنبلة مائة حبَّة من القمح، وهكذا كان، حيث جمع النَّادي الأب والأبن وروح الإبداع في ثلاثة أقانيم، نجم عنها بكر الشَّاعر، وهو ديوان شعر، "قمح في كفِّ أُنثى"..اجتمع الأب والأديب والاستاذ ومعلِّم الأجيال يوسف ناصر (أبو غياث) والأبن الشَّاعر إياس، والمحاضر للغة العربيَّة في القدس والمتميِّز والمتفوِّق في كليَّة الآداب بالقدس، وبكلِّ محبَّة أثارت المشاعر الدَّافئة في نفوس الحاضرين وملأت الغبطة قلوبهم، لإبداعهما بإثرائنا وجذبنا للسَّماع والإنصات بتلهُّف، وأذرفت دموع الوالد فرحًا وفخرًا وفخارًا وعزَّة، "من شابه أباه فما ظلم"، وكان التَّواضع سيِّد اللقاء، فقد جاء في قول الشَّاعر:
ملء السَّنابل تنحني بتواضعٍ والفارغات رؤوسهنَّ شوامخ
اجتمع حبُّ الوطن والأرض والإنسان في روح التَّسامح والإخاء والوجدان ومحبَّة الآخر،
والوقوف بعزيمة قويَّة على استرداد الحقِّ، وإعادة الأسماء إلى أهلها. حيث يعترف بما ورثه عن والده:
منذُ الطفولةِ... قد حملتُهُ عاشقًا
للأرضِ... للوطنِ الكبيرِ اليَعرُبي
وبأنَّ أرضي لن أُضيِّعَ طالما!
عندي سلاحٌ قد ورثتُهُ عن أبي
وقد خرجت من اللقاء، ومن بيت القصيد هذا بثلاث تحف أعتزُّ بها، الدِّيوان البكر، وملهاة الكاتب الفلسطينيِّ، ابراهيم نصر الله، قناديل ملك الجليل، عن الظَّاهر عمر، بثورته على الطُّغيان العثمانيِّ، وتأسيس كيان وطنيٍّ عربيٍّ في فلسطين، وكتاب الأديب فرحات فرحات، ريترو، في محطَّاته المبَعثرة الوجدانيَّة، حيث يعيدنا بذكرياته، بأسمائها وحوادثها، إلى مقاعد الدِّراسة في الكليَّة الارثوذكسيَّة العربيَّة، حيث نلتقي بأمِّ الياس، وملاحقات المخابرات لقرَّاء صحيفة الاتِّحاد في زمن الحكم العسكريِّ وما بعده، وصعوبة التَّوظيف في المدراس لارتباطها العضويِّ بجهاز المخابرات..
خرجتُ من القاعة وفي يميني زادي، ثلاثة كتبٍ، وبدأتُ، في تلك الليلة، أقرأ "ريترو" بنهمٍ وشوقٍ وحنينٍ إلى أيَّام الثَّانويَّة..
ملاحظة مهمَّة وجانبيَّة الى الاستاذ فرحات فرحات:
لقد قرأتُ هذه المحطَّة اليوم بعد أن كتبتُ وأرسلتُ صباحيَّتي بالبريد الالكتروني، لهذا قرَّرت أن اتطرَّق لهذا الموضوع حتَّى لا أُتَّهم أنَّني تجاهلتُ هذا الموضوع أو أنَّني أحمل ذات الموقف الذي اتَّخذتَه تجاه سوريا، في محطَّتك المُبعثرة في "ريترو" "ثورات محاورة شخصية" لأنَّه بعد ذلك لن أرحم نفسي ولن أغفر لها ولا لقلمي..
تطرقتَ لليمن وليبيا ومصر وسوريا، ووضعتَهم في سلَّة واحدة، الأجدر هو أن تضع جميع الدُّول العربيَّة في سلَّة واحدة وسوريا وأحرار الوطن العربي ومقاوميه وشرفائه الأعزَّاء في سلَّة أخرى. ولا غرابة في ذلك عندما ترى انَّ الغرب البغيض الاستعماري المسَبِّب الوحيد في تقسيم الوطن العربي وابقائه على بؤره القابلة للاشتعال في كل لحظة والرَّجعية العربيَّة (الممثَّلة بقوَّادها، القوَّادين على شعوبهم، من المحيط السَّاكن والسَّاكت إلى الخليج الخائن والكابت)، ناهيك عن احفاد السَّلاجقة الجدد في الباب العالي، فمن الذي قتل والده ليتسلَّم سدَّة الحكم في قطر، إلى آل سعود حكَّام الجزيرة العربيَّة المبشِّرين بالوهَّابيَّة وإلى الذي اتهم والده بأنَّه مصاب بمسٍّ من الجنون حتى يتسلَّم مكانه بتآمر من البريطانيِّين، لخدمة الاستعمار البريطاني..
يجب على سوريا أن تكمِّل اصلاحاتها التَّشريعيَّة والاجتماعيَّة والسِّياسيَّة لكنهم "مش مهدِّين لها بال" لكنَّها ستبقى معقل الاحرار الأوَّل.
فطبيب العيون يرى الصُّورة بوضوح تام غير الذي تقوله ولا اريد ان اقتبس..
د. بشَّار طبيب عيون فهات رئيس دولة عربيَّة آخر يحمل شهادة اكاديميَّة مثله..
لقد أعلنوها حربًا عالميَّة على سوريا وعلى جميع احرار العالم لكسر شوكتهم الباقية في عيون المتآمرين عليها "وفي حلوقكم كقطعة الزُّجاج كالصَّبَّار..".
على كلٍّ اردت توضيح موقفي من هذه المحطَّة غير وجدانيَّة ليكون النِّقاش نقاش مواقف..
انا متأكِّد كما رجوْتَ أن تكون، في محطتك ثورات محاورة شخصيَّة، "مخطئًا في تصوُّرك هذا.." (ص 92)، واختلاف الرَّأي لا يُفسِد للوُّدِّ قضيَّة..
حيفا
