هنا سيكون دوَّار البرج الذي يتوسَّط شارعي البرج وستانتون حيث في المكان بئر ماء، كان يخدم سكان الحيِّ والمناطق المجاورة له، ولو زرتم تلك المنطقة وقارنتم حقيقة ما كان في الصُّورة وما تركت الهمجيَّة من دمار لسمعتم بكاء احجار البيوت على اصحابها وسمعتم صراخ مياه البئر في خريرها تطلب من العطاش ان ينهلوه
يمنحُ الانسان الأماكن الجديدة أسماءً يختارها متعلِّقة بأصل سكَّان الحيِّ، فتجد في حيفا سوق الشوام والاتراك وحارة الشَّوافنة ( لأنَّ غالبية سكَّان الحي من الشُّوف، لبنان)، والألمانيَّة ( حيث سكنت المنطقة عائلات المانيَّة قدِمت إلى حيفا في أواخر القرن التَّاسع عشر، فرسان الهيكل - تبشيريِّين) أو اسماء تدلُّ على المباني الموجودة فيها، فمثلاً حارة الكنائس أو شارع البرج ( نسبة لبرج السَّلام أو أبو السَّلام، الذي بناه مؤسِّس حيفا الجديدة أو الدَّار الجديدة ظاهر العمر الزِّيداني في أواخر القرن الثَّامن عشر)، وذاك بستان الشُّيوعيَّة (حيث كانت فيه مكاتب الحزب الشُّيوعي وتحرير صحفه)، وهذا شارع المخلِّص ( لوجود كنيسة المخلِّص فيه) أو ساحة الخمرة ( نسبة لعائلة خمرة الحيفيَّة حيث كانت تنطلق منها عربات الخيل، الحناطير، الى أماكن عديدة في حيفا، كمواصلات داخليَّة) كذلك شارع جدعون، الخطيب والخيَّاط..أو تجد شوراع على اسم شعراء وأدباء ومفكَِّرين وفلاسفة (أبو نواس، الأخطل، الزَّمخشري، الأصفهاني، الفرابي والطُّغرائي)، كذلك تجد شوارع تحمل اسماء أقطار عربيَّة كالحجاز واليمن والعراق وهكذا..
لقد صودق على طلب المركز الهندسيِّ للدِّراسات والتَّخطيط، بتسمية الدُّوَّار الواقع في الوسط بين شارع البرج وستانتون، بمستديرة البرج، الذي قدَّمته مديرة المعرض، الرَّفيقة سعاد نصر، لرئيس البلديَّة يوم زار معرض "حيفا من هنا انطلقت" وتابعته كتلة الجبهة، في المجلس البلدي، حيث يُذكر أنَّه كان في المنطقة المستديرة هذه بئر ماء، يخدم أهالي الحيِّ والمنطقة المجاورة له، ( أنظر الصُّورة في زاوية بلادنا، لكي تبقى فينا ونبقى فيها)، هنا سيكون دوَّار البرج، ولو زرتم تلك المنطقة وقارنتم حقيقة ما كان في الصُّورة وما تركت الهمجيَّة من دمار لسمعتم بكاء حجارة البيوت على اصحابها الذين طُرِدوا وسمعتم صراخ مياه البئر في خريرها تطلب من العطاش ان يعودوا لينهلوا منه.
إنَّ أهميَّة هذا الشارع تكمن في تاريخه وهو أوَّل شارع بُنِيَ خارج أسوار المدينة
منذ أيام ظاهر العمر قبل مائتين وخمسين عامًا، وفي موقعه القريب من الميناء والذي يكشف على تلك المنطقة، وفي سكَّانه وبيوته وأبنيته، حيث كانت فيه المدرسة الاسلاميَّة للبنين ( مدرسة البرج) وبيت رشيد الحاج ابراهيم، رئيس اللجنة العربيَّة القوميَّة، وبيت قائممقام حيفا ابراهيم مصطفى باشا الخليل، وبيت آل كنفاني، ويقع في بدايته مبنى البلديَّة..
إنَّها خطوة مهمَّة إلى أمام مشرِّف وعزيزٍ وانجاز ممتاز في حقِّ تاريخ حيفا العربيِّ، والوجود العربيِّ في المدينة منذ سقوطها في أيدي أعداء الحرِّيَّة ومحو الثَّوابت والاحداثيِّات والشَّواهد العربيَّة في المدينة، حيث ما زالت كبوتنا وسَقْطُتنا عميقة فيها، تنتظر نهضةً، بدأت تتفتَّح براعمها من خلال هذه الخطوة، وقيامةً تلزمنا اليقظة والمثابرة والوعي وبُعد النَّظر، كي تبعدنا عن المطبَّات والإشكالات التي يمكن أن نقع بها كما حدث لنا في حيِّ وادي الجمال، حيث لعق رئيس البلديَّة قراره بعد ضغط من اليمين المتطرِّف في المجلس..
إنَّها وصمة عار وخزيٍ على جبين عصابات كرميلي ومن لفَّ لفُّهم من مرتزقة هدمت حيفا، وقتلت وطردت سكَّانها وغيَّرت معالمها، من أجل بناء وتجسيد مخطَّطٍ ما زلنا نعاني منه في خدمة أسيادهم، أعدائنا..
إنَّه مشروع وطنيٌّ بدرجة ممتازة، لكنَّ الدَّرب ما زالت شائكة ومشوِّقة..
جميلٌ أنْ تُعاد الأسماء إلى أحيائنا وشوارعنا وإلى أصحابها، لكنَّ الأجمل أن يعود أصحابنا إلى أسمائهم وأحيائهم وشوارعهم وبيوتهم، أن يعودوا إلى ذاتهم، وأن نعود نحن إلى ذواتنا وأسمائنا لنعيش بأمانٍ وطمأنينة في وطننا الذي ليس لنا وطن سواه..
إرجاع اسم البرج إلى شارعه هو بمثابة إرجاع ظاهر العمر إلى قلعته أبي السَّلام،
ِليراقب الميناء ويحمي حيفا الجديدة من شرقها الجديد ومن أعدائها ويذكِّرهم أن
سلامهم وأمنهم من سلامنا وأمننا، وهذا يعيد الأمان والآمال والحقَّ إلى أصحابه، وترجع حيفا إلى أهلها كما وعدنا ابن غزة الشاعر هارون هاشم رشيد:
سَنَرْجِعُ يَوْمًا إِلَى حَيِّنا وَنَغْرَقُ فِي دافِئاتِ المُنَى
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا..﴾
حيفا
