*كلمة في وداع المربي الفاضل أحمد ابراهيم أبو يونس "أبو حسن"*
كثير من الناس تعرفهم وترتاح لرؤيتهم وحديثهم، لكن حين تفقدهم تشعر بفراغٍ كبير وتعرف قيمتهم. ترجع بشريط الزمان وتبدأ تضع محطات وتسلط عليها الضوء وتقوم بتكبيرها لتدخل تفاصيلها وتفهم مكنوناتها لتكشف أنك أمام سيرة حياه تصلح أن تكتب كقصة أو رواية.
رحل عن هذه الدنيا المربِّي المتقاعد أحمد ابراهيم أبو يونس "أبو حسن" من أوائل المعلمين والمربين في سخنين منذ سنوات السبعين الأولى من القرن الماضي، فخسرت سخنين برحيله مربيا ومعلما خدم في سلك التربية والتعليم لأكثر من ثلث قرن وطيلة مدة خدمته لم يسجل له أي غياب. لتعرف أن هذا المعلم كان القدوة لطلابه، فلم يتملق مديرا أو مسؤولا، ومواقفه الوطنية واضحة وجلية لا غبار عليها. بالرغم من أنه عرف وأدرك ثمن هذه المواقف المشرفة، فلم يطمح بلقب مدير أو حتى نائب مدير. لم يهادن في مواقفه وظل قابضًا عليها كالقابض على الجمر بالرغم من أن أخاه البكر عثمان كان قد طرد من وظيفته كمعلم بسبب مواقفه الوطنية في أوائل الخمسينات.
المرحوم ينتمي لعائلة عريقة قدمت ثلاثة شهداء لفلسطين، فأعمامه عبد الرحيم عثمان أبو يونس وخالد علي أبو يونس استشهدا في معركة نحف في 17/5/1939 ضد الإنجليز وعمه محمد ديب أبو يونس استشهد في معركة الرامة 20/9/1938 وكانت المعركة بقيادة صالح عيوش ضد الاستعمار البريطاني.
حافظ المرحوم على علاقة طيبة وأخوية مع زملائه وربطته علاقات قوية بطلابه ومع ذويهم بشهادة طلابه وكل من تتلمذ على يده.
ربّى وعلم بناته وابناءه وهم اليوم أكاديميون ومعلمون ومكملو الدرب والطريق. شارك بكل النشاطات الوطنية ولم يتقاعس يوما عن مسيرةٍ أو مظاهرة. مواقفه كانت وما زالت واضحة ومشهودة رغم التهديدات والاعتداءات فقد آثر الانحياز لهموم شعبه وقضاياه الصغيرة والكبيرة في كل محطة وفي كل موقف.
عمل المرحوم في الفلاحة خلال فترات العطل المدرسية ليفي بمصاريف بيته وتعليم ابنائه فالتحمت قدماه بتراب الأرض والوطن، كيف لا وهو ابن سخنين الأبية، أحد أضلع مثلث يوم الأرض، فربى بيته على حب الارض وصونها برمش العين.
لم يسمح القدر للنهاية الا ان تكون عبرة ورساله لنا جميعا. حيث استيقظ المرحوم صباحًا ليحمل الماء إلى ارضه ويسقي زيتونه الغض، وبعد الانتهاء من مهمته استظل بظل زيتونة معمرة وارفة وافترش تراب ارضه ووطنه، حيث وافته المنية وفارقت روحه جسده ليقول لنا ان الارض هي أم البدايات وأم النهايات، وليقول لنا صونوا ارضكم وازرعوها واعتنوا بزيتونها واشجارها، صونوا وطنكم وشعبكم واعتنوا بأبنائه كي يسير المجتمع في درب الصلاح والخلاص من الظلم والانعتاق إلى الحرية.
نقول لعائلة المرحوم أن ارفعوا هاماتكم فالمرحوم له فضل كبير على هذا البلد، فقد ساهم في صنع رجاله وتذويت القيم الوطنية والاستقامة ونبذ العنف والنفاق.
رحماك يا ابا حسن، نعتذر لأننا لم نفك حقك. فانت الجندي المجهول لا يريد المناصب ولا الكراسي ولا الرتب، انما يريد الوطن وفقط الوطن.
"أثر الفراشة لا يرى، أثر الفراشة لا يزول".
"الى جنة الخلد مع الانبياء والصديقين وحسن أولئك رفيقا"
(سخنين)
