معذرة على "سمّة البدن"

single

أنجزت شخصيّتان يهوديّتان إسرائيليّتان في العقدين الأخيرين نجاحين تاريخيّين خطرين أثّرا تأثيرًا فعّالا على حياة الشّعبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ، كما القيا بظلال قاتمة على بعض دول الجوار، وعلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة وبعض الدّول الأوروبّيّة، ولا شكّ بأنّ الانجاز الأوّل عبّد الطّريق للانجاز الثّاني، وأنّ الشّعبين الإسرائيليّ والفلسطينيّ سيدفعان الثّمن الغالي لسنوات عديدة بل باشرا بدفع هذا الثّمن دمًا ومالا.
عندما أطلق الشّابّ اليهوديّ المتديّن واليمينيّ المتطرّف يغئال عمير مساء السّبت 4 نوفمبر 1996 ثلاث طلقات ناريّة في "ميدان الدّولة" في مدينة تل أبيب وقتل رئيس حكومة إسرائيل إسحاق رابين اغتال معه دربه ومسيرة السّلام والمستقبل الورديّ واليسار الصّهيونيّ الإسرائيليّ.
حقّق عمير نجاحًا تاريخيًّا في ذلك المساء الخريفيّ حيث قتل ببثّ تلفزيونيّ مباشر مصطلح "دولتين لشعبين" في الشّارع الإسرائيليّ كما غيّب من الحياة السّياسيّة "الانسحاب من المناطق المحتلّة" بل حدث العكس حيث احتلّت إسرائيل المنطقة A من الضّفة الغربيّة من جديد، وفي الوقت نفسه وُلِدَ مصطلح جديد "لا يوجد شريك فلسطينيّ" ابتدعه رئيس الحكومة الفاشل إيهود براك مهيّئًا عودة الليكود إلى الحكم ومعبّدًا طريق إرئيل شارون إلى ديوان رئاسة الوزراء، ولا أبالغ كما لا أعلّق الفشل والخطأ الفلسطينيّ على مشجب الاحتلال إذا قلتُ بأنّ رصاصات يغئال عمير هيّأت المناخ الملائم للانقسام الفلسطينيّ وسيطرة حركة حماس على قطاع غزّة.
وأمّا الانجازُ التّاريخيُّ الثّاني فهو نجاح رجل الليكود اليمينيّ بينيامين نتياهو رئيس حكومة إسرائيل بإقناع الغالبيّة العظمى من الشّعب الإسرائيليّ بأنّه لا يوجد احتلال، ولا توجد مناطق محتلّة، وأنّ الشّعب الإسرائيليّ لا يحتلّ أرضًا للآخرين ولا يحكم شعبا آخر، وأنّ لكلّ يهوديّ الحقّ الكامل بالسّكن والاستيطان في أيّ مكان يريده في "يهودا والسّامرة" (الضّفة الغربيّة) كما أقنع الشّعب الإسرائيليّ بأنّ السّلام مع الفلسطينيّين
ليس ضروريّا ولا إمكانيّة لتحقيق السّلام مع الإرهابيين الفلسطينيّين الذين يشكّلون حركة حماس وحزب الله وداعش!!! ويعملون على إبادة إسرائيل ويرغبون بهولوكوست جديد للشّعب اليهوديّ!!!
هزم يغئال عمير معسكر السّلام الإسرائيليّ، وأمّا السّيّد بيبي نتنياهو فقد محاه عن الخريطة السّياسيّة، وما يحدث في الأشهر الأخيرة في الكنيست من سنّ قوانين عنصريّة فاشيّة، وما يحدث في المناطق المحتلّة من عمليات قتل للفلسطينيّين وللإسرائيليّين وبناء مستوطنات جديدة وتوسيع الموجودة منها، وما يحدث في داخل إسرائيل من عنف وعنصريّة وفساد هو ثمرة نجاح الانجازين المذكورين.
وهكذا صدقت وتحقّقت نبوءة الفيلسوف الإسرائيليّ يشعياهو ليفوفيتش (1903-1994) التي تنبأ بها بعد حرب 5 حزيران 1967 .
أنا لست متشائمًا، معاذ الله، بل إنني "أرى في الرّماد وميض نار" فما زال هناك قوى عقلانيّة إسرائيليّة تعارض الاحتلال وتسعى إلى السّلام، ولا بدّ من أن يعود غالبيّة الشّعب الإسرائيليّ إلى رشدهم، هذا الشّعب الذي خرج بمئات الآلاف إلى السّاحات العامّة في تل أبيب بعد مجزرة صبرا وشاتيلا الرّهيبة وأطاح بمناحيم بيغين وإرئيل شارون، ولا بدّ من أن يزول الاحتلال ويحيا الإسرائيليّون والفلسطينيّون حياة طبيعية.
لا بدّ مّما ليس منه بدٌّ.
ومعذرة من القرّاء الكرام على هذه التّغريدة الصّباحيّة التي جنحت إلى السّياسة وفي السّياسة "سمّة بدن".


قد يهمّكم أيضا..
featured

اول ايار والعمل الشيوعي

featured

لبنان يواجه محراك شر التدخل الاسرائيلي – الامريكي في شأنه الداخلي!

featured

تنزيل نماذج ليوم الانتخابات

featured

بيبي وسارة بلاء لا رحمة فيهما

featured

حكومة كمّ الأفواه

featured

شرطة المدينة أم مدينة الشرطة

featured

سقط القناع عن الإخوان!