جدتي

single

قيل لي ان الرثاء هو تعداد خصال الميت بما كان به من صفات كالكرم، الشجاعة والعدل...ولكن حين اخبرت قلمي بذلك ونطقت اسم الميت جمد أمامي ورفض الكتابة معلنا ان جميع الصفات الحسنة والكلمات الطيبة لا تكفي لأروي لكم عن جدتي.
قبل ان اردد لكم صفات اعظم النساء لا بد لي بان اخبركم عنها من روايتي الخاصة، رواية حفيدة لم تدرك ابدا ان لتلك الرواية ستكون نهاية مرة!
كان يوم عادي استيقظت به لاتصال مؤلم حطم احلامي جميعها... هرولت مسرعة اليك فوجدت ملاكا نائما في سرير ناصع البياض مزين بالطهارة والجمال...
لقد علمت ان الموت طرق بابك ومسك بيديك ليأخذك معه فلم يترك لنا سوى ساعات قليلة لنودع اغلى ما نملك... تلك الدموع والكلمات لم تعرقل طريقه،  جميع كلماتي وحروفي كانت عاجزة أمام قوته...
هو لم يدرك عظمتك ومكانتك عندنا بل وقف صامدًا أمامنا معلنا ان لحظة الوداع قريبة جدا.
فقدت نفسي...لم افهم عن اي وداع  يتكلم...كيف ومتى ولماذا؟ اسئلة كثيرة طوّقت عنقي وبدأت تخنقني، ما هو الوداع؟
لاختصر روايتي بامرأة عظيمة كانت تستقبلني كل صباح بقبلة دافئة على وجهي، لمسة مليئة بالحب الصافي وصوت اساور ذهبية يداعب اذني ليكون لحنا جميلا يرافق صوتها الحنون...
هذه كانت قهوتي الصباحية، منذ ايام المدرسة الابتدائية وحتى ايام الجامعة، فهي كانت رفيقتي في ايام الصيف والشتاء ولا اذكر صباحا بدا دون وجهها الطاهر.
بعد الدوام كانت تنتظرعودتنا لترحب بنا بأجمل ابتسامة فنعانقها ورائحة الطعام تحتل ملابسها، نهرول للمائدة وهي بجانبنا، تراقبنا مبتسمة وقلبها مشرق من الفرح...
روايتي طويلة ولا استطيع ان اسردها  ولكن روايتي مكللة بأفعالها الحسنة، بكلماتها الطيبة، برائحتها الجميلة التي ما زالت تعبق في داخلي، بصوتها الحنون وبلمسة يديها الناعمة...
جدتي...
حين اراجع ما مضى أرى فيك من الخير الكثير... وإحسانك للصغير قبل الكبير...
للغريب قبل القريب.... حين اتذكر بابك المفتوح لكل طارق، تستقبلينهم بالوجه البشوش والابتسامة النقية...
كل من دخل بيتك شعر بالدفء والحنان، بالطيبة والمحبة...لا استغرب لماذا الجميع احبك وحزن على رحيلك... فقد فقدنا أمنا وجدتنا الغالية وادرك تماما ان جميع الكلمات لن تعيدك الى بيتك والى مكانك..
جميعنا سنذكر دائما الامراة التي جلست تحت الشمسية الخضراء وضحكت لكل مار في الطريق، وأرسلت سلامها لكل جار وقريب وقبلت الصغير والكبير... جميعنا سنذكر الجدة التي جلست على رأس المائدة وأرسلت اوامرها خوفا من ان ننسى شيئا في المطبخ فدائما طاولتك كانت ممدودة وحولها جلس كل من يحبك ويقدرك وغمرنا طعامك الذي ما زال اثره في ذاكرتنا وكم سنحن اليه خلال السنوات القادمة...
كنا دائما نتكلم عن خوفك من ان لا نأكل عندك ونضحك حين تغضبين مِن مَن يرفض ان يأكل ولكنك لم تستلمي وانتصرت على كل رافض حتى يأتي المساء ونعود الى بيوتنا ممتلئين، تودعيننا مبتسمة وكأنك تملكين كنز الحياة الاكبر وترسلين قبلاتك على باب بيتك لكل الراحلين...
منذ صغري اذكر انك دائما حملت هم الجميع، اتصالاتك الدائمة لتطمئني عن احوال اولادك وأحفادك، حتى في اوجاعك كنت دائما صامدة امامنا لتحملي همومنا ومشاكلنا...
لم تتذمري ابدا بل تأسفت وطلبت منا ان لا نشغل انفسنا بما سميته "همومك"،حاولت دائما ان تخففي عن احبائك وفي كل لحظة غمرتنا بفائض الحب ووعدتنا ان ساعة رحيلك بعيدة جدا...
لن اخفي عنك بان رحيلك صعب جدا وان بيتك مشتاق لتلك الابتسامة الرقيقة والعيون اللامعة، مشتاق لكلمة طيبة منك ولصوتك الحنون...
ولكني أومن انك لا زلت معي، وانك سترافقين جميع خطواتي، أومن ان عينيك دائما ستحرسني وأواسي نفسي بشريط  ذكريات جميلة يحمل صورا عديدة، يحمل قصصا جميلة، اواسي نفسي بان الحظ الجميل منحني أن اتربى في حضنك، بان اعيش تحت جناحيك التي غمرتني بالمحبّة دائما بدون مقابل، العطف، الامومة، الاخلاص، الرقة والحنان...
كان لي الحظ بان اعيش هذه السنوات معك وان اكون حفيدتك.
اعدك بأنني دائما سأذكرك وسأروي روايتي وسأنطق باسمك وابتسم لكل هذه السنوات معك وسأبتسم لأجمل الذكريات وسأبتسم لك انت جدتي، لك انت يا تيتا!
قد يهمّكم أيضا..
featured

المخلص والمتحدي للمواقف الانتهازية

featured

جمال طربيه وسام على صدر مدينة سخنين

featured

لحظات تاريخية طال انتظارها

featured

نقطة الانطلاق واللاعودة والبحث عن الأمل والمستقبل

featured

المسكوت عنه في مشكلة الجدار

featured

حركة فتح ما بين عباس ودحلان

featured

مأزق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية للطرفين