شكلت محطة أوسلو، نقطة تحول جوهرية في مسار الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي مسار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، قبل أوسلو كانت عناوين الصراع، أردني فلسطيني، سوري فلسطيني، لبناني فلسطيني، ولم تخل من صراعات فلسطينية عراقية، وخلافات مع مصر والسعودية وغيرها، بصرف النظر عمن يتحمل مسؤولية الصراع هل هم الفلسطينيون ؟؟ أم الأردنيون والسوريون واللبنانيون ؟؟ فقد كان عنوان الصراع وشكله ومضمونه بين الأخ وأخيه، بين الشقيق وشقيقه، أي أن الصراع كان عربيا - عربيا، ويوفر للإسرائيليين فرص الراحة والتمتع بالمراقبة لما جرى في أيلول 1970، والحرب الأهلية اللبنانية، وصدامات الجيش السوري مع المقاومة الفلسطينية، وهكذا، كان الأردنيون والسوريون واللبنانيون مع الفلسطينيين يدفعون الثمن من حسابات الدم والجهد والوقت العربي، على أيدِ عربية وبالسلاح العربي غير النظيف .
بعد أوسلو، بات الصراع مكشوفاً علنياً واضحاً بين الشعب العربي الفلسطيني، وكامل حركته السياسية الكفاحية، وبين عدو الشعب الفلسطيني، والشعب الفلسطيني لا عدو له سو عدو واحد، يحتل أرضه، ويصادر حقوقه، وينتهك كرامته، إنه الاحتلال الإسرائيلي .
أوسلو، أدت إلى تحقيق نتائج فلسطينية ملموسة، تتمثل بنقل الموضوع الفلسطيني من المنفى إلى الوطن عبر انتقال قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية إلى الداخل وتحول الوطن بالتالي وليس المنفى إلى مصدر صنع القرار، مثلما أدى "أوسلو" إلى ولادة الكيان الفلسطيني ومؤسساته التنفيذية والتشريعية والقضائية على الأرض الفلسطينية وبين مسامات الشعب الفلسطيني، أي إلى ولادة مؤسسات السلطة الوطنية كمقدمة لولادة الدولة الفلسطينية ومشروعها الوطني على أرض فلسطين، وهي نفس التجربة التي مرت بها الحركة الصهيونية قبل إعلان الدولة الإسرائيلية في 14/5/1948، وذلك عبر تأسيس الجامعة العبرية عام 1925 والتي زودت المؤسسات الصهيونية اليهودية بكوادر مؤهلة لقيادة مؤسسات مشروع الدولة العبرية، كما تأسست مؤسسات "الهستدروت" اتحاد نقابات العمال عام 1934، وصندوق المرضى "كوبات حوليم" 1937، وغيرها العشرات من المؤسسات المدنية والعسكرية التي شكلت المقدمات والأرضية والبنى التحتية لقيام إسرائيل قبل رحيل الانتداب البريطاني عن فلسطين في 14/5/1948 .
"أوسلو" وما أسفر عنه كان نتاج النضال والتضحيات والانتفاضة الأولى وثمرة المفاوضات، وتم بقرار وإرادة فلسطينية إسرائيلية وانعكاساً للأوضاع السياسية والسكانية وتصادماتها على الأرض، وانعكاساً لموازين القوى التي تحكم معادلة الصراع بين الطرفين، بين الشعبين، وبين المشروعين : الفلسطيني والإسرائيلي .
محطة أنابوليس، كانت إنجازاً مكملاً لـ "أوسلو"، حيث قطعت المفاوضات المباشرة شوطاً عميقاً، ولكنها لم تستكمل بسبب غياب يهود أولمرت القسري، على أثر تورطه بالفساد ورحيله عن سلطة اتخاذ القرار في تل أبيب .
ماذا حققت مفاوضات أنابوليس، وأين وصلت ؟؟ هذه وتلك تساؤلات مشروعة، أمكنني الاعتماد على تقارير ووثائق ومحاضر اجتماعات، صاغها صائب عريقات، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، ورئيس دائرة المفاوضات فيها، لتقديم الإجابة عليها :
فقد بدأت مفاوضات أنابوليس في لقاء، ثلاثي أميركي فلسطيني إسرائيلي تم في وزارة الخارجية في واشنطن برئاسة كوندوليزا رايس يوم 30/ تموز/ 2008 وتم الاتفاق فيه على ما يلي :
أ- قاعدة المفاوضات هي خارطة الرابع من حزيران عام 1967 وبما يشمل القدس الشرقية، والبحر الميت وغور الأردن، والمناطق الحرام ( No man's Land ) وقطاع غزة .
ب- مبدأ تبادل الأرض بشكل متفق عليه وبما يشمل ربطاً جغرافياً بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة .
ت- مساحة المناطق الحرام عشية الرابع من حزيران عام 1967، 46 كم2، تم الاتفاق على اقتسامها 50% - 50 % بين الدولتين .
هدف عملية السلام تحقيق مبدأ الدولتين استناداً لهذا التفاهم . وجاءت الوزيرة رايس إلى رام الله والتقت مع الرئيس محمود عباس يوم 15/8/2008، وأكدت له ما تم الاتفاق عليه في اللقاء الثلاثي في واشنطن .
وعلى ضوء هذا الاتفاق كُثفت اللقاءات الفلسطينية – الإسرائيلية على كافة المستويات وفي إطار 12 لجنة تشكلت لمعالجة كافة قضايا التفاوض وعقدت 288 لقاءً، إلا أن المفاوضات الجدية جرت بين الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت ووصلت نتيجتها إلى ما يلي :-
أ-الحدود : الرابع من حزيران 1967، طرح الجانب الفلسطيني تبادل ما نسبته 1.9% بالقيمة والمثل، وذلك بعد تثبيت حدود دولة فلسطين على خطوط الرابع من حزيران 1967. وطرح الجانب الإسرائيلي ضم 6.5% من مساحة الضفة الفلسطينية، وإعطاء ما نسبته 5.8% من أراضي عام 1948، وتكون النسبة الباقية 0.07% بدل الممر الجغرافي الرابط بين الضفة الفلسطينية وقطاع غزة.
ب- القـــدس : طرح الجانب الإسرائيلي أن الأحياء العربية في القدس الشرقية تكون جزءاً من فلسطين ( بيت حنينا، شعفاط، العيسوية، الطور، سلوان، رأس العامود، الصوانة والثوري وباقي الأحياء العربية)، في حين تكون جميع المستوطنات الإسرائيلية التي أقيمت في القدس الشرقية جزءاً من إسرائيل.
أما فيما يتعلق بالبلدة القديمة، فقد طرح الطرف الإسرائيلي مفهوماً لما يسمى الحوض المقدس، مع ترتيبات خاصة، ترفع فيها السيادة عن الطرفين. أما الجانب الفلسطيني فتمسك بأن القدس الشرقية، مثلها مثل باقي الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة، تُعتبر منطقة محتلة وينطبق عليها مبدأ عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وسوف تكون عاصمة لدولة فلسطين، التي سوف تحترم الديانات وتؤسس على ركائز حرية العبادة للجميع. ت- اللاجئون وطرح الجانب الإسرائيلي عودة 1000 لاجئ فلسطيني إلى إسرائيل سنوياً ولمدة خمس سنوات، وتكون عودتهم لأسباب إنسانية . والعودة لدولة فلسطين شأن داخلي فلسطيني . وينشأ صندوق دولي للتعويضات وتكون إسرائيل عضواً فيه. ورفضت إسرائيل تحمل أي مسؤولية عن مأساة اللاجئين الفلسطينيين . وتتحمل إسرائيل مسؤولية خاصة في تعويض اللاجئين . ويتم بحث إيجاد حلول لممتلكات اللاجئين. بينما طرح الجانب الفلسطيني أن حق العودة كفله القانون الدولي وقرار الجمعية العامة رقم "194". واللاجئ له الحق في الاختيار في العودة إلى إسرائيل. أوالعودة إلى الدولة الفلسطينية. أو البقاء مكانه أو الذهاب إلى مكان آخر. والعودة إلى دولة فلسطين يخضع فقط للقانون الفلسطيني. وينشأ صندوق دولي للتعويضات، بحيث يتم تعويض كافة اللاجئين مهما كان خيارهم، فالحق هو العودة والتعويض وليس العودة أو التعويض. مع حق تعويض الدول المضيفة. ج- بالنسبة للميــاه طرح الجانب الإسرائيلي تأسيس تعاون إقليمي لحل مشكلة المياه. وإقامة محطات تحلية للمياه في إسرائيل وتزويد دولة فلسطين بما تحتاجه من مياه . واحتفاظ إسرائيل بسيطرتها على أحواض المياه. أما الجانب الفلسطيني فقد طرح حل قضية المياه وفقاً للقانون الدولي . وأحواض المياه الفلسطينية تكون ضمن سيادة دولة فلسطينية. وحقوق فلسطين المائية في نهر الأردن. والبحر الميت، فلسطين دولة مشاطئة لها 37 كم طول و 220 كم2 المساحة الإجمالية. و12 ميلاً إقليمياً لقطاع غزة على البحر المتوسط . والتعويض عن سرقة إسرائيل لمياهنا منذ عام 1967. والتعاون لحل مشكلة المياه إقليمياً.
ح- أما الأمن فقد قدم الجانب الإسرائيلي تصوراً لدولة فلسطينية منزوعة السلاح. ووجود إسرائيلي في عدة مواقع في دولة فلسطين. ويكون لإسرائيل السيطرة على المجال الجوي لفلسطين . وطرح الجانب الفلسطيني تحريم أي وجود إسرائيلي على أراضي الدولة الفلسطينية. وتكون حدود فلسطين ومعابرها وأجوائها ومياهها الإقليمية تحت سيادتها الكاملة.
والموافقة على وجود طرف ثالث لفترة زمنية محددة. ويكون لدى فلسطين وبالتعاون مع الطرف الثالث الحق في امتلاك الأسلحة المطلوبة للنهوض بمسؤولياتها كاملة. د – وبشأن الأسرى : طرح الجانب الفلسطيني أن تقوم إسرائيل بالإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين عند توقيع الاتفاق النهائي.
في تاريخ 18/12/2008، وقبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس بوش توجه الرئيس محمود عباس إلى واشنطن والتقى الرئيس الأميركي جورج بوش، حيث قدم له منظومة احتوت على ملخص لأين وصلت المفاوضات بين الجانبين حول كافة القضايا . وعندما اطلع الرئيس بوش عليها قال " أريد وفداً إسرائيلياً وفلسطينياً في الثالث من شهر كانون الاول 2009 لمراجعة هذه المنظومة والخرائط ووضع الأحرف الأولى عليها، وذلك لنقلها إلى الإدارة الأميركية الجديدة مع توصية ببدء المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها في ديسمبر 2008".
وأضاف قائلاً للرئيس أبو مازن : " لقد قمت بكل ما عليك، لا يستطيع أحد أن يوجه لكم اللوم، أنا قمت بما علي وأنت قمت بما عليك، لكن الجانب الإسرائيلي سقط في دوامة مشاكله الداخلية، وتهرب من الاتفاق". رد الرئيس أبو مازن : سأرسل د. صائب عريقات ومعه فريق فني لمراجعة منظومة المواقف والخرائط يوم الثالث من يناير 2009، وسيكون ذلك بمثابة الوديعة عندكم؟. ولكن بدلاً من الذهاب إلى واشنطن قرر أولمرت شن الحرب الإجرامية على قطاع غزة .
وبادرالرئيس بوش وترك رسالة مكونة من (11) صفحة لإدارة الرئيس أوباما تتضمن تفاهم رايس في 30/7/2008، وملخصاً لأين وصلت المفاوضات بين الجانبين .
