إن العمل في أي مجال قد يترافق مع التعرض لمخاطر مختلفة، يؤدي بعض منها الى حدوث أمراض مهنية. ولا يتسع المجال في هذا المقال لشرح جميع الأمراض المهنية. لذلك سنكتفي بمناقشة بعض من هذه الامراض.
أولا: الأمراض المهنية للجهاز التنفسي:
قد يصاب الجهاز التنفسي بالأمراض، نتيجة لاستنشاق المواد الكيميائية بشكل غبار أو ادخنة أو غازات أو أبخرة، كما ان العدوى ببعض الجراثيم أو الفطريات قد تحدث تغيرات مرضية في الجهاز التنفسي. كذلك قد يؤدي التعرض للمخاطر الفيزيائية لحدوث بعض الأضرار في الجهاز التنفسي مثل تراكم فقاقيع الغاز في الرئتين في داء الغُواص DECOMPRESSION SICKNESS أو الاصابة بسرطان الرئة نتيجة للتعرض للأشعة المؤينة.
وسنكتفي هنا بالاشارة الى اثنين من الأمراض المهنية التنفسية الأكثر خطورة وهما السحار السيليسي وداء الأسبست.
أ- مرض السحار السيليسي: يتميز مرض السحار السيليسي بحدوث تليف في الرئتين، ناتج عن استنشاق مادة السيليكا في صورتها المبلورة النقية، أي ثاني أكسيد الكربون.
أسباب المرض:
تعتبر مادة السيليكا من أكثر المواد انتشارا في قشرة الكرة الأرضية، اذ توجد هذه المادة في الرمل، والحجر الرملي والبازلت والغرانيت، وعند تكسير أو قطع أو طحن هذه الأحجار يتصاعد الى الهواء غبار يحتوي على نسبة من السيليكا قد يستنشقه العمال، ولذلك فان التعرض لمرض السحار السيليسي يحدث في الصناعات التالية:
- المناجم:عادة ما تكون المواد الخام المراد استخراجها من المناجم (الذهب- الفوسفات – المنغنيز) مدفونة في صخور تحتوي على السيليكا. ولاستخراج هذه المواد يجري تكسير طبقات من الصخور للوصول الى المادة الخام، فيتصاعد غبار السيليكا أثناء هذه العملية ويستنشقه العمال. خاصة وان العمل في المناجم يتم تحت الأرض.
وأحيانا عند أعماق كبيرة وتحت ظروف تهوية ضعيفة، مما يؤدي الى تركيز الغبار في الهواء. كذلك يحدث بعض التعرض لغبار السيليكا في المقالع اذا احتوت الصخور على مادة السيليكا، ولكن نظرا لطبيعة العمل في المحاجر، تساعد التهوية على الاقلال من تركيز الغبار في الهواء.
- حفر الأنفاق: عندما يحتاج الأمر حفر أنفاق في طبقات من الأرض تحتوي على السيليكا وفي هذه الحالة يتعرض العمال لغبار المادة.
- سباكة المعادن: وهنا يصب المعدن المنصهر في قوالب من الرمل، وبعد ان يتشكل المعدن تكسر القوالب ثم يزال الرمل من المعدن، مما يعرض العمال لاستنشاق غبار السيليكا.
- سنفرة المعادن باستخدام الرمل: في هذه العملية يجري رش الرمل بقوة شديدة على المعدن، مما يؤدي الى تكسير الرمل الى ذرات صغيرة يستنشقها العمال.
- صناعة الزجاج والخزف: في المراحل الأولى لهاتين الصناعتين يجري طحن الرمل فيتصاعد غبار السيليكا.
- صناعة وتركيب القرميد الحراري والقرميد الرملي.
- الطحن باستخدام الأحجار مثل طحن الغلال، حيث يتصاعد الغبار اثناء إعداد الأحجار المستخدمة في هذه العملية.
- شحذ المعادن باستخدام الاحجار
* العوامل المؤهبة:
1- حجم ذرات الغبار: كلما صغر حجم ذرات الغبار تمكنت من الوصول الى الحويصلات الهوائية لذلك فان اكثر الأحجار خطورة هو الحجم الأقل من 2 ميكرومتر.
2- مدة التعرض: يحدث السحار بعد التعرض للغبار الضارة لفترة طويلة قد تتراوح بين 5- 10 سنوات.
3- تركيز الغبار في الهواء: كلما زاد تركيز الغبار في الهواء زاد احتمال حدو المرض. وقلت مدة التعرض اللازمة لظهور الأعراض والعلامات.
4- نسبة السيليكا الحرة في الغبار: تعتمد قدرة الغبار على إحداث تليف في الرئتين على نسبة السيليكا الحرة، وكلما زادت هذه النسبة في الغبار زاد احتمال حدوث المرض.
5- الاستعداد الشخصي:بعض الاشخاص أكثر استعدادا للإصابة بمرض السحار السيليسي من غيرهم لأسباب غير معروفة في الوقت الحالي.
* الأمراض:
حيث تصل ذرات الغبار المحتوية على السيليكا الى الحويصلات الهوائية، تلتهمها خلايا معينة تسمى البلاعم السنخية، وتحملها الى الأنسجة الخلالية في الرئة. وقد تموت بعض هذه البلاعم وتتحلل، وينطلق منها مادة أو مواد تنشط الأرومات الليفية وتكوين الكولاجين، وتنشط البلاعم الأخرى لابتلاع غبار السيليكا، مما يؤدي الى موتها وتحللها ايضا والى مزيد من التليف، وهكذا تحدث حلقة مفرغة تزيد من حدوث التليف.
يحدث في الصورة الكلاسيكية، تليف عقدي حيث تتكون في الرئة عقد من الكولاجين مستديرة الشكل يبلغ حجمها في البداية 2-4 مليمترات، وتكون رصاصية اللون صلبة القوام، واذا قطعت بالمشرط وجد انها تتكون من طبقات متراكزة، من الكولاجين مثل قشرة البصلة.
وتنمو هذه العقد تدريجيا ثم تلتحم مع بعضها، فتنتج عن ذلك عقد مكومة، ومساحات أكبر من التليف. وقد تضغط العقد على الاسناخ الهوائية كما قد يحدث تمدد في بعض الاسناخ مما يحدث مناطق من النفاخ الرئوي، وعادة ما تحدث عدوى بعصية التدرن مما يُحدث زيادة شديدة في التليف مع ظهور تكهف في الرئتين.
الصورة السريرية:
إن أعراض وعلامات السُحار السيليسي غير مميزة لهذا المرض. فأول وأهم الأعراض هو ضيق النَفَس، الذي يحدث أولا عند بذل الجهد ولكن مقدار الجهد المسبب لضيق النفس يقل تدريجيا حتى يصبح حدوث ضيق النفس أثناء الراحة وبدون بذل أي مجهود، وقد يحدث سعال مع تقشع وخاصة اذا حدثت مضاعفات مثل التدرن الرئوي أو الالتهاب القصبي المزمن.
كما تحدث بعض الآلام في القفص الصدري اذا حدثت اصابة لغشاء الجنب، وعند الفحص السريري تظهر علامات تليف الرئة والداء الرئوي المحدد.
* مضاعفات المرض:
1- السل (التدرن) الرئوي وهو أهم وأكثر المضاعفات حدوثا.
2- التهاب القصبات المزمن والنفاخ الرئوي.
3- مرضى القلب الرئوي، الناتج من فرط ضغط الدم في الشريان الرئوي.
* تشخيص المرض:
سوابق التعرض: لا بد ان يتعرض العامل لصناعة يتصاعد فيها غبار السيليكا، على شكل رقائق ذات حجم صغير وتركيز كبير لفترة طويلة من الوقت.
* الفحص الشعاعي:
تظهر في الصورة الشعاعية للصدر عقد مستديرة تكون صغيرة الحجم في البداية ثم يزيد حجمها وتتصل ببعضها، ثم تصبح في الحالات المتأخرة كبيرة الحجم، وقد تشغل فصًا كاملا من فصوص الرئة.
ويجب الأخذ في الاعتبار ان هناك بعض الأمراض الأخرى التي تحدث بها مثل هذه العقد في الرئتين مثل التدرن والغرناوية والنقائل..الخ.
* المرجع: الكتاب الطبي الجامعي- طب المجتمع في العالم العربي- إعداد نخبة من أساتذة الجامعات
(يتبع)