بعد ستة أعوام من بدء محاكمة سياسية، هي الأولى من نوعها، بحق القائد محمد بركة، رئيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، قام جهاز القضاء، قبل أيام، بإلغاء إدانته بـ "الاعتداء" على ناشط يميني متطرِّف خلال مشاركته في مظاهرة ضد العدوان الإسرائيلي-الأمريكي على لبنان عام 2006.
وبهذا، تهاوت آخر فصول هذه "المحاكمة"، والتي رمت، كما قلنا منذ البداية، إلى تجريم الدور الكفاحي الميداني للرفيق بركة، وأخذ النقاش من الملعب السياسي إلى الزاوية الجنائية، وتلفيق تهم، ندينها ونعتزّ بها في آن معًا.
إنّ صدّ هجوم أزعر على متظاهرين عرب ويهود ضد حرب عدوانية إجرامية هو عمل سياسي. والتصدّي لعناصر الاحتلال خلال مظاهرة سلمية ضد الجدار الاحتلالي في بلعين هو عمل سياسي. وقول ما يجب أن يقال لشرطي يحرس مجرم حرب من نوعية إيهود براك، حين يزور الأخير مدينة الناصرة ويتظاهر ضدّه ذوو شهداء أكتوبر، هو عمل سياسي أيضًا.
وبغضّ النظر عن الأبعاد القانونية للمحاكمة، والوقائع العجيبة في رفع الحصانة البرلمانية عن أعمال تقع في صلب واجب منتخب الجمهور؛ فما يعنينا هو البعد السياسي للقضية. هذا البعد متصل بمخططات تدجين وترويض الجماهير العربية، ونزع شرعيتها وشرعية مواطنتها ووزنها السياسي، عبر نزع شرعية قيادتها المنتخبة، وزجّها في خانات "التطرّف"، لتندرج ضمن سيمفونية "ماذا فعل أعضاء الكنيست العرب" و"لماذا يهتمون بالقضية السياسية على حساب القضايا اليومية" وما إلى ذلك من فحيح الجوقات السلطوية وزعانفها.
ولا بدّ من اليقظة من بعض هذه النغمات النشاز، والتي قد تتسلل، بفعل الهيمنة الصهيونية على السياسة والإعلام، إلى وعينا الباطن. هذه النغمة قد نستشعرها في الحديث عن "جعجعة" أعضاء الكنيست العرب، وعدم جدوى تعبيرهم عن موقف سياسي وطني، تأتي كمقدّمة لخفض السقف السياسي للجماهير العربية، والدفع نحو تحويلنا من مواطنين يكافحون من أجل قضية شعبهم، إلى رعايا يلهثون وراء مطالب يومية على حساب قضيتهم القومية.
إنّ أقصر الطرق إلى تحصيل الحقوق، القومية منها واليومية، هو النضال ثم النضال ثم النضال، بهامات مرفوعة وكرامة موفورة. وكما علـّمنا خالد الذكر توفيق زياد فـ "يدُنا ثابتة ثابتة/ ويدُ الظالم/ مهما ثبتت/ مرتجفة".
("الاتحاد")
