سنبدأ بلغز: ما هي الوثيقة الإسرائيلية الرسمية الواحدة والوحيدة التي تعترف بصورة صريحة بالقومية الإسرائيلية؟ ما هي الوثيقة التي توحد تحت جناحيها كل مواطني إسرائيل بدون تمييز في الدين والعرق والجنس والطائفة أو مقاس الحذاء. عمليا مثل أي دولة سليمة (الإجابة بعد قليل).
ولكن في البداية سنعطي القليل من التاريخ: في الخامس من أيار 1948 تم انشاء دولة إسرائيل، في ذلك اليوم بالضبط في 5 أيار 1948 ماتت الدولة العبرية. حتى قيام الدولة كان كل شيء «عبرياً». الشعب العبري في فلسطين ناضل من أجل عمل عبري ودولة عبرية وثقافة عبرية وتعليم عبري ومواطن عبري ومدينة عبرية وشباب عبري ويشوف عبري.
بعد يوم من ولادة الدولة انقلب كل ذلك إلى «يهودي».
كما يبدو هذا ليس واضحا لماذا. حيث أن الاسم الذي أُعطي للدولة هو «دولة إسرائيل «. لقد كان مطلوبا بناء على ذلك أن يتحول كل شيء إلى «إسرائيل»: عمل إسرائيلي، يشوف إسرائيلي، مواطن إسرائيلي، قومية إسرائيلة ولكن ذلك لم يحدث. تقريبا كل شيء تحول إلى «يهودي»، وأساس الغضب والوحشية أثار «القومية الإسرائيلية».
«قومية إسرائيلية»؟، صرخ كل زعماء وموظفي الدولة، «هذا لن يحدث ولن يكون». وبجرة قلم بيروقراطية تم اختراع «القومية اليهودية». ولكن لا توجد «قومية يهودية»، هناك شعب يهودي، شعب هو الكلمة التي تعرف جمهور معين له مصير مشترك وذكريات مشتركة ولغة مشتركة وثقافة مشتركة وعادات مشتركة وأساطير مشتركة وأحياناً أيضاً الدين. القومية ـ منذ ولادة الدول الحديثة ـ تعرف ببساطة وبشكل متساو باجمالي مواطني الدولة. كل مواطني فرنسا هم القومية الفرنسية. كل مواطني السويد هم القومية السويدية وهكذا دواليك في كل القوميات. لماذا يمنع مواطنو إسرائيل من أن يسموا بالاسم الجماعي «قومية إسرائيلة»؟ بأي منطق غريب تدعي الدولة (في نقاش قانوني) أن تسجيل «قومية إسرائيلية» في سجل السكان «يهدف إلى المس بأسس دولة إسرائيل «؟ لماذا إسرائيل تحارب الإسرائيلية؟ هذا فعليا مرض المناعة الذاتية.
هذه القومية المخترعة تقوم كلها على الدين. هذه «قومية» لا يوجد أي سبيل لأن تقبل فيها إلا بواسطة كهنة الدين المعينين من قبل الدولة. قومية ـ دين كهذه ليست فقط مجرد أمر غير معقول، بل أيضاً هي ديناصورية نوعا ما. ذات يوم كان هناك العديد من أمثالها. اليوم يمكن ايجادها فقط في أوساط قبائل الهنود الحمر في الولايات المتحدة، أو على شواطىء الامازون. حتى الشعب اليهودي الذي يعاني أيضاً من هذه الوجبة الزائدة من الدين يظهر في السنوات الاخيرة تمرداً مرحباً به. المزيد والمزيد من المؤسسات (دور النشر، مثلا) تنشغل مؤخراً في «الشعبية اليهودية». اليهودية كثقافة وشعب، وليس بالضرورة أيضاً كدين.
أيضاً «دولة يهودية» غير موجودة، لا يمكن أن تكون. «دولة يهودية» تبدو تقريبا مثل «الخِيار البوذي». دول وخِيار لا يمكن أن تكون دينية. فقط البشر يمكن أن يكونوا. هكذا قال الله، وهو بالطبع يفهم في الاديان.
التعبير الاكثر هستيرية الذي نبت داخل هذه المعضلة هو بلا شك «دولة ليست دولة كل مواطنيها». تعبير منطقه يشبه منطق جملة «شجرة ليست شجرة كل اوراقها»، أو «بركة ليست بركة كل مياهها»، حيث أن دولة ديمقراطية بحكم تعريفها هي دولة كل مواطنيها. ليست دولة ملوكها، كهنتها ونبلائها وأثريائها وأبطالها، فقط دولة جميع مواطنيها.
ولكن هذا غير موجود في إسرائيل. هنا في «اليهودية ـ الديمقراطية» توجد دولة مع دين، و«قومية» يهودية، خمس المواطنين الدولة ليست دولتهم أبدا. وبسذاجة يمكن التساؤل لماذا كل هذه الفوضى؟ ألا يكفي تسجيل المواطنة؟ هل يوجد حقا ضرورة لتسجيل «قومية» في سجل السكان؟ ولماذا تتم الاشارة ايضا إلى «الدين»؟ (الذي بحد ذاته هو نبش وقح وزائد في العلاقة بين المواطن والخالق). من يريد كل ذلك؟
وإذا أزلنا السذاجة فإن الجواب واضح جداً. هذا الربط من العنصرية الإسرائيلية يحتاج إلى كل التسجيلات المشينة هذه. فقط هي. من أجل أن تعرف الدولة دائما أن معسكرنا نقي. من أجل أن لا يختفي أي عربي أو مسيحي أو مسلم أو غير يهودي من أي نوع آخر من أمام اعيننا، ويتم اعتباره، لا سمح الله، مواطناً، وأن الدولة هي أيضاً دولته. من أجل أن تعرف الحاخامية التي تحكمنا من الذي يستحق الزواج من بناتنا ومن لا يستحق.
من أجل أن تعرف السلطات العقارية من المسموح له شراء أرض ومن غير المسموح له. ومن أجل أن يعرف غير اليهود على مختلف انواعهم أين يسمح لهم السكن وأين لا يسمح لهم. كل هذه التسجيلات باختصار هي الصيغة الرسمية لناطوري كارتا، حماة المدينة.
إلى هذه الدرجة غريبة هي هذه الحرب الباردة التي أعلنتها الدولة على القومية الإسرائيلية. إلى درجة أنه في وزارة الداخلية توجد قائمة بالقوميات المسموح تسجيلها في سجل السكان. يمكن أن نجد هناك القوميات التالية: التترية، الآرامية، الغوانية، التارديكية، اليهودية، اللخشتانية، العربية والمورتشوانية والسامرية، غرب الالمانية (؟؟) وحوالي 130 قومية أيضاً.
ولكن قومية إسرائيلية لا توجد. دولة إسرائيل لا تعترف بوجودها. ما العمل إذاً؟ هذا هو نهج المصابين بمرض المناعة الذاتية، بتصميم واصرار يحاربون ضد أنفسهم.
الوثيقة الرسمية الوحيدة التي نجحت في التملص من بحث الرادار العنصري هي جواز السفر الإسرائيل. هناك وفقط بصيغة أجنبية، مكتوب بصورة صريحة التالي: القومية ـ إسرائيل. برافو! على الاقل في الخارج نحن طبيعيون قليلا. يمكن الافتراض بأن المواثيق الدولية فرضت هذه الصيغة، وليس نوبة فجائية من التنور. ولكن أيضاً بعض العزاء مفيد قليلا.
لم نصل بعد إلى ذروة الجنون. في نهاية 2012 تقريبا تم استبدال تأشيرات الدخول والخروج في آلات التسجيل في مطار بن غوريون ببطاقات جديدة. بدل بطاقات كبيرة بيضاء جاءت بطاقات صغيرة تميل إلى اللون الأزرق.
في بداية 2013 عندما صادفت للمرة الاولى البطاقة الزرقاء، فحصتها بحب استطلاع وقلبي كان مليئاً بالمفاجأة والسرور: سجل باللغة الاجنبية هناك بالضبط مثلما الأمر في جواز السفر، «القومية: آي.اس.آر» وهو الرمز الدولي المتفق عليه لإسرائيل. وكذلك بالعبرية، من يصدق! ـ الكلمة الصريحة «قومية». بصورة واضحة «قومية ـ آي.اس.آر». أي توجد هناك وثيقة إسرائيلية ليبرالية أخرى. سررت جداً واحتفظت بها. الفرح استمر سبعة أشهر فقط. موظف ثاقب البصيرة اكتشف الفضيحة، وقبل أن يهجم علينا جموع الاغيار الذين تمكنوا فجأة من الانضمام إلى القومية الإسرائيلية، تم اصلاح الكارثة. «القومية» تحولت إلى «مُصدر»، وأيضاً بالانجليزية «الناشيونالتي» المبهجة تحولت إلى «إشوار».
ومن أجل ذر الملح على الجرح، حدث الامر تقريبا أمام انظارنا: سافرت إلى الخارج في 24 تموز 2013 وعدت في 26 تموز 2013. 48 ساعة. وفي هذا الوقت حدث الانقلاب. خرجت بـ «قومية» ورجعت بـ «إشوار». إذاً، على الاقل في جواز السفر بقيت أحمل الجنسية الإسرائيلية المطاردة.
تكمل الدولة السبعين سنة من عمرها، وهو سن الشيب حسب فصول الآباء. إذاً ربما، ومن أجل تجميل شيبها، قررت الدولة أن تفطم من هذا الجنون؟ أن تنسى «القومية اليهودية» المرفوضة وتكتفي بوجود الشعب اليهودي المحترم والقديم، وتسمح لكل مواطنيها الذين يريدون ذلك بأن يسجلوا كإسرائيليين وأن تكف عن الهراء والكلام الفارغ عن «دولة ليست دولة كل مواطنيها». رغم أنفها هي دولة كل مواطنيها حتى آخر شخص فيها.
في ما يتعلق بالعنصرية الإسرائيلية، لا حاجة إلى الاهتمام بها. حتى بدون «قومية يهودية» ستواصل الازدهار كالعادة.
(هآرتس)
