*للوهلة الأولى يبدو أن سياسة الخصخصة التي ينتهجها نتنياهو طالت الأراضي بدون الاكتراث للقيم الصهيونية التي تنادي بالسيطرة على الأرض.. لكن بنظرة ثاقبة يثبت نتنياهو ان التصاق المصالح الحقيقية للصهيونية هو أولاً وآخرًا مع رأس المال المتضخم الذي سيكون الضمان للمحافظة على السيطرة الفعلية على الأرض*
لم يكن مستغربًا أن يقوم نتنياهو بانتهاز ولايته الحالية لاتمام ما قد بدأه من سياسات الخصخصة واعفاء الدولة من العديد من صلاحياتها ومسؤولياتها لصالح القطاع الخاص، لايمانه بأن هذه الخطوات تساعد على تحرير الدولة من "أعباء ليس من الضروري أن تقوم بها". وهو لا يصرح بهذا على الملأ، لكنه يستمر بخطوات عملية تقود بالضرورة الى خصخصة الدولة من معظم مسؤولياتها، من أجل فتح باب السوق الحرة في كل المجالات.
وقد وصل الدور مع بدء ولايته الحالية الى خصخصة الأراضي، حيث تسيطر الدولة على نحو 93% من الأراضي، ويرى نتنياهو ان بيع هذه الأراضي للسوق الخاص "سيخلق فرصة جديدة للنهوض بالاقتصاد الراكد"، وقد استغل فرصة شمل مشروعه ضمن قانون التسويات وما يحويه من قوانين مجحفة للتقليل من النقاش العام حول مخاطر هذه الخطوة، وليضمن عدم استيفاء النقاش وتدارس النتائج بشكل مهني وأكاديمي، حيث ان لهذا القرار أبعادا كثيرة توجب وضع آليات عمل مدروسة، هذا اذا كان يهم الأمر شخصا مثل نتنياهو، لضمان عدم استشراس حيتان رؤوس الأموال للحصول على أكبر كم من الأراضي لاستثمار أموالهم وجني الأرباح والاستفادة من الخبرات الأكاديمية المختصة في هذا المجال لمنع زيادة الفوارق الاجتماعية ومنع التمييز القومي والطبقي الذي سينجم من جراء بيع أراضي الدولة، لكن وبعد ضغوطات اضطر نتنياهو فصل هذا البند عن قانون التسويات، لكنه فرض على لجنة الاقتصاد استخلاص النقاش بالتوازي مع قانون التسويات، ليتم التصويت عليه بالقراءة الثانية والثالثة الأسبوع القادم.
تتعامل الحكومة الاسرائيلية مع موضوع الأراضي كقيمة "وطنية" من الدرجة الأولى، حيث أن لب الصراع هو في مضمونه على الأرض أولاً، ومن أول القوانين التي بادرت الى تشريعها الحكومة كان قانون أملاك الغائبين، وتحويل أملاك الغائبين لسلطة التطوير بعد استحداثها، حيث لم تكن تملك أي شبر من الأرض، وفيما بعد بدأت الحكومة بمصادرة ما أمكن من الأراضي العربية بحجة التطوير العام والمصلحة العامة، ومن بينها اقامة وحدات سكنية للقادمين الجدد واقامة مبان عامة وحكومية وشق شوارع، وانشاء بلدات يهودية في قلب الجليل كنتسيرت عيليت وكرمئيل، وقد تم مصادرة هذه الأراضي تحت بند الأهداف العامة، لكن غالبًا لم تستغل لهذه الأهداف، وتم تحويلها الى توطين أو اسكان مستوطنين استأجروا هذه الأراضي من الدولة لمدة 49 او 98 سنة، لكن ما زالت الدولة هي صاحبة الملكية على هذه الأراضي، وفي حال تم نقل الملكية الى ملكية شخصية سيكون من المستحيل اعادتها لأصحابها الأصليين.
تهدف "الاصلاحات" المقترحة لتغيير مكانة الأراضي المستأجرة لأمد طويل لتتحول الى ملكية خاصة لمستأجريها، وهنا يتم عمليًا التحايل على مبدأ المصادرة الذي صودرت الأرض من اجله، فمن الناحية القانونية يجب اعادة الأراضي المصادرة لأصحابها بعد انتهاء تنفيذ الهدف الذي صودرت من أجله، كما نص قرار المحكمة في قضية سركيس على سبيل المثال، وهي أرض صودرت لاقامة عسكر للجيش وبعد اخلائه احتفظت ادولة بالأرض فقام أصحابها برفع دعوى للمحكمة بعد اخلاء المعسكر لاعادة ملكيتهم للأرض وتم لهم ذلك، لذلك يجب على الحكومة أن تقوم باعادة الأراضي المصادرة لأصحابها، وليس تحويلها لملكية أشخاص جدد، وهذا ما تم التشديد عليه خلال النقاش الذي دار في لجنة الاقتصاد التي بحثت تشريع "الاصلاحات"، لكن تعنت المشرعين بسبب حفاظهم على ولائهم لآمرهم نتنياهو وانغلاق آذانهم وعدم درايتهم بالجوانب المتشعبة أو حتى غير المتشعبة يحول دون التعامل مع الأمور من منظور حقوقي أو اجتماعي أو ما هو غير ذلك.
وتم من خلال مشروع "الاصلاحات" تبديل 70 ألف دونم في منطقة المركز تملكها الكيرن كييمت، بأراضٍ في النقب والجليل، ما زالت تفاصيل الاتفاق مجهولة من حيث موقع الأراضي المتبادلة، حيث ضغطت الحكومة على الكيرن كييمت للموافقة على هذا الاتفاق بشكل مبدئي، بدون كشف تفاصيله كي لا تثير نقاشات مع الأطراف المختلفة في الكيرن كييمت، حيث ان بعضهم يعارض هذه الاصلاحات. وقد حضر بعض أعضاء المجلس العام للكيرن كييمت بفضح هذا الموضوع خلال جلسات اللجنة، واعترفوا بأن الحكومة مارست عليهم ضغوطات من اجل اقرار الاتفاق بدون الدخول في كل التفاصيل بسبب ضيق الوقت.
ان الاتفاق بين دائرة أراضي اسرائيل والكيرن كييمت، خصوصًا أن الأولى تدير أراضي الكيرن كييمت بشكل مباشر، يأتي لتضييق الخناق على المواطنين العرب الممنوعين من الحصول على اراضي الكيرن كييمت، حيث ان معظم الأراضي التي ستتم مبادلتها وفق الاتفاق المعقود ستكون في منطقة النقب، وطالما لا يوجد حل جذري لمشاكل أهالي النقب وأراضيهم فان كل اتفاق على أراضي النقب سيكون بمثابة تعقيد لأية امكانية حل مستقبلية، لأن نقطة الانطلاق التي يستند اليها جهابذة الكيرن كييمت هي تضييق الخناق على المواطنين العرب، وفرض سيطرتهم على أكبر كمّ من الأراضي ومنع بيع اراض الكيرن كاييميت للمواطنين العرب.
//الصهيونية والرأسمالية – مشروع متكامل
ان الحق بالملكية الخاصة كحق أساسي يجب على السلطة حمايته، لا يسري على أراضي المواطنين العرب في هذه الدولة، التي نشأت على أنقاض نكبة شعبنا وأرضه، وما زالت هذه العقلية تحكم وتسيطر على مجريات الأمور، من اجل نهب ماتبقى من الأراضي العربية، لكن ما يثير العجب في هذه "الاصلاحات " المقترحة هو ان سياسة الخصخصة التي ينتهجها نتنياهو، قد طالت الأراضي بدون الاكتراث للقيم الصهيونية التي تنادي بالسيطرة على الأرض، هذا من خلال تفكير بسيط وساذج للوهلة الأولى، لكن بنظرة ثاقبة يثبت نتنياهو ان التصاق المصالح الحقيقية للصهيونية هي أولاً وآخرًا مع رأس المال المتضخم الذي سيكون الضمان للمحافظة على السيطرة الفعلية على الأرض، ليس فقط من أجل تحريك الاقتصاد كما يدعي بل من اجل تقويته وجعله الجسم المركزي الذي سيقرر بك لما يتعلق بمصير هذه الدولة، أكثر مما هو عليه اليوم.
ان اتاحة الفرصة للقيام بالتخطيط المحلي للجان التنظيم والبناء المحلية وللسلطات المحلية، سيبقى مجمدًا بالنسبة لغالبية السلطات المحلية العربية، التي تفتقر للوسائل والقدرات المهنية الأساسية للقيام بالتخطيط بشكل مستقل، لكنه سيكون ممكنًا لرؤوس الأموال الكبار الذين سيحصلون على كم هائل من الأراضي بطرق مختلفة، وسيسعون لاستغلال ما أمكنهم من هيئات وامكانيات لتنفيذ مخططات تفصيلية تستجيب مع رغباتهم الربحية. من جهة أخرى سيكون هناك انفتاح كبير على سوق الأراضي، وقد يستفيد من هذا الانفتاح الطبقات المتوسطة في المرحلة الأولى، لكن على المدى البعيد سيبقى المستفيد الأكبر رؤوس الأموال الكبار.
وقد يكون لتنفيذ خطة نتنياهو بخصخصة ما أمكن من أراضي، أملاً بتقليل بيروقراطية الدولة، ودائرة أراضي اسرائيل على بيع الاراضي، لكن ما لا تتعامل معه هذه "الاصلاحات" هو وجود المواطنين العرب في هذه البلاد. فقد تم تجاهل وجودهم وقضاياهم بشكل كامل، من حيث التمثيل في المجلس العام لسلطة الأراضي، التي ستحل محل دائرة أراضي اسرائيل، حيث يشمل المجلس الجديد ممثلين عن الوزارات الحكومية والكيرن كييمت فقط، بادعاء أن لا حاجة لوجود ممثلين اضافيين لأن هذا سيعرقل عمل الدائرة كما ادعى ممثلو الحكومة.
في الحقيقة ان ممثلي الحكومة الذين شاركوا في جلسات لجنة الاقتصاد البرلمانية أظهروا مدى سيطرتهم على تسيير الأمور، وكان دورهم اهم واكبر من أعضاء اللجنة حتى أولئك من اعضاء الائتلاف الحكومي، خصوصًا مندوبو وزارة المالية ومكتب رئيس الحكومة، حيث لم يكن امامهم سوى الاسراع لإقرار هذه "الاصلاحات" بأسرع وقت ممكن، متعمدين عدم اثارة أي نقاش جدي.
