عكا شموخ منفرد على البحر؛ محارب يدلك موج اليم قدميه حبا و كرما مذ عناقهما فجر الدهر. عشق عشقته صيدا فسقته روح معروفيها اهل السعد (معروف و مصطفى سعد) و على اهازيج عود وقوافي قوافل؛ " وقفوني عل الحدود؛ قال بدن هوية ... شدو الهمة، الهمة قوية و مركب ينده عل البحرية ... يا بحرية هيلا هيلا "بعذوبة شلال دندنات بعثتها انامل وحنجرة المرسل الى الامة مبشرا؛ خليفة الحنان (مارسيل خليفة). صور، بميامين رجالها انتقمت لرجال عكا؛ فقلبت المقر العام لجيش الغزاة ركاما وُئدت تحت انقاضه عنجهية شارون فلعق رجما سلبه الغطرسة و الجبروت فأرداه على حصيرة العذاب و الموت يشرع سيف عدالته عاليا في السماء؛ وأرواح الشهداء تنده ارجوك يا حامل السيف تمهل فالرحمة لا تمنح للمجرمين بل دعه الى طويل الاجل في العذاب الاليم.
حيفا بعيون الاميلين (اميل توما و اميل حبيبي) و الطوبي توفيق و صليبا خميس و زارع الارض جمالا ابي البهائيين تحتضن عكا ولدمعها كلهم مكفكفون. عكا قاهرة؛ قهرت عتاة المحاربين فثأرت لأهل صيدا يوم شجعانها احرقوا انفسهم في مدينتهم فهزموا الغزاة ليسقوا اباطرة الروس في فن الحرب و حب الحياة حكمة بعبرتها فأحرقت موسكو عنجهية من وطئ ثراها غازيا. هذه تلال نابليون، قال ابو اليسار و راح يقص تاريخ المدينة من الازل الي حاضر الايام. دعنا من نابليون و تلاله و لننهي عملنا الذي من اجله جئنا اليوم عكا قاصدين. الى الشرق من التلال تُهنا نبحث عن مقصدنا بين مداخل المبنى الطويل. ذاك عامل تنظيفات؛ اسأله ابا اليسار؛ قلت متأففا من حرارة شمس عكاوية في صبح حزيراني جميل. عاد ابو اليسار يهز رأسه بابتسامة ساخرة و قد اصابه بعض الانزعاج. قال بلفتة من عينيه؛ صاحبنا الذي يدعي انه يهودي الاصل لا يعرف العبرية و هو جاء البلاد اغلب الظن ضمن حملات استيراد المستوطنين؛ هو بالتأكيد فلاشيا (الفلاشا؛ الاثيوبيون). اعاد ابو اليسار بمرح ما قاله له المواطن الدخيل؛ فضحكنا مقهقهين بعد ان استعدنا ايام الدراسة حين كنا للغة البلغار مبتدئين، فنلحن بالكلام والبلغار على تعتعة ألسنتنا ضاحكين مواسين.
*عكا ظـُهرا*
ولجنا باب المبنى الكبير تحت انظار موظف شركة امنية متين، حيانا الحارس بلساننا بعد ان سمعنا بالعربية منطلقين و نصحنا التوجه الى الطابق الثاني الى حيث نحن قاصدون. ايضا؛ موظف امني عند مدخل المركز، و باب الكترونية للتفتيش، لكن دون صعوبة او عقبات دخلنا مركز اصدار بطاقات التعريف و جوازات السفر و كل ما يتصل بالاحوال المدنية للمواطنين و المستوطنين. عند علبة صغيرة سحب ابو اليسار لنفسه ورقة عليها رقم ...، والناس أيديهم خالية من ملفات الاوراق الثبويتة و الطبات المعجوقة جالبة الهم و الغم لأصحابها اللبنانيين. الى الكوات المعزولة عن بعضها جالس بعضهم يجيبون اسئلة الموظفين؛ و آخرون على كراسيهم مرتاحين يخفف من حرارة اجسادهم و الطقس هواء التكيف الاصطناعي بانتظار دورهم؛ فتحسب نفسك في دار عبادة لشدة سكون المكان وهمس المتحدثين.
بعد قليل اطلت صبية حنطية طويلة القامة، شعرها اسود قصير، هيئتها و وقع خطى قدميها ينبئان انها من حاملي ختم القرار في المكان. توجه اليها ابو اليسار؛ و انا ارقب من مكان قريب، بعد تبادل الشفاه ما تكنه القلوب فاض محيا السيدة بابتسامة ودود و مدت يدها مصافحة ثم تبعها ابو اليسار الى مكتبها القريب ليعود و ابتسامته بالرضا ناطقة، و ما هي الا دقائق معدودة و ابو اليسار في يده جواز سفر جديد و الى جانبه المنتهية صلاحيته القديم. انتهت المعاملة؛ كل شيء تمام؛ قال ابو اليسار و تابع؛ دعنا نكمل يومنا هانئين. هل اصدروا لك جواز سفر جديدًا؟ سألت؛ بالايجاب رد صديقي. كظمت غصتي متناسيا "اخراج القيد" الملعون، "بطاقة الهوية"، "ورقة المختار" المدلل، "لا حكم عليه" يصدرها من كانوا لرقاب العباد خانقين و حزمة وثائق يطلبها موظف عثماني اكتسى اسياده كاذبين بقشور الحضارة و بالي القوانين متحصنين؛ يدّعون بهتانا انهم يبنون دولة يسمونها عصريتها وهم باذلال المواطن واستلابه مالا كسبه بعرقه مشتغلون متلهون، سامحكم الله يا اهل لبنان، فأنتم، لن تتحروا و لن تعرفوا للكرامة مذاقا و لا دربا ان لم تقاضوا بالعدل كل طائفي لئيم.
أما و قد تنفست الصعداء و انزاح عن نفسي هَمُّ تجديد جواز السفر "الاسرائيلي"، و ما استحضرته الذاكرة عن المعاناة عند باب المختار وموظفي الامن العام شمالا على بعد عشرات الكيلو مترات، وبخت النفس و التفت الى ابي اليسار سائلا الصفح؛ ارجوكم سامحني فقد ذهبت بعيدا الى حيث لا يجب ان اكون. الآن كلي آذان استمع الى طيب كلامك عن العكاويين الاولين. الح ابو اليسار في السؤال، ما بك ... هل انت بخير؟ هل تسمعني؟ ماذا يضايقك؟ الست مرتاحا؟ لماذا لا تجيب؟ وبخت النفس ثانية، وسألتها؛ ما ذنب هذا الرجل الذي حملني على اكف الراحة الى وطني ولسعادتي بريق عينيه يحكي حكاية بحار جاءته الى شختورته حورية؛ تقول له شبيك لبيك. ارحلي ايتها الذكريات اللعينة و اهلي هناك على الشاطئ المقابل الله وحده لهم معين. شربنا القهوة على عجل، اليوم في ظهره قال ابو اليسار واردف سائلا هل نتناول فطور الفول و الحمص في دكان عكاوي اصيل. سألته التأجيل واني الى سور المدينة و جامع الجزار احمل الكثير من الشوق و الحنين.
رَطبُ هواء المدينة يحملني الى اهلي في صور كيف لا وانا لست من شجرة مقطوعا بل جذوري ينطق بعمرها عمود عمره 2500 من السنين؛ قبل اكتشاف اللون الاورجواني و قبل المقدوني الذي رحل كأنه لم يكن و أهل الارض في ترابهم مغروسون. قرأت عن مقاهي عكا، زجاليها وناظمي الدلعونا والاوف و اشقائهم الصوريين، الصيداويين و البيروتيين متحدين و متنافسين على ابداع اجمل الاشعار الشعبية وسهرات و احاديث احيا احاديثها ودونها في سنوات الثمانين الشاعر عز الدين المناصرة. في مخيم شاتيلا سمعت طويل الحكايات عن عكا ورجالها اصحاب الحكمة وحوانيت الكندرجية "صانعي الاحذية" ممن يضمنون المراكب من صناعة ايديهم لعامين او ينوف. صدق الحاج عبدالله حين قص علي الحكاية العجيبة التي بقيت ابحث عن سر مهارة حذائيها و دباغيها من قوة سواعدهم يخرج الجلد البراق المتين ليحتمل الرطوبة وجور الوعر في صعب السنين. بعد عقد من الزمن و نيف؛ اجول في مزاد علني في كوفنتري (مدينة انجليزية وسط المملكة) لتحفٍ و كنوزٍ اخذ الموت اصحابها فسيقت مذلولة الى مزاد مرتادوه من خبراء التجار وصائدي التحف بمكبرات عدساتهم مزودين و للغش بلا عناء فاضحين. استوقفني حذاء تعود صناعته الى سنوات العشرين لأستيقظ على صوت ابي الخالد يحدثني متغنيا بأصالة العكاويين.
هذه قناة عكا التي كانت تَزوَّد ى بالماء كدرع يحمي السور و خلفه الرجال عن كرامتهم و مدينتهم الدماء واهبون. ذاك السور الذي اذل بناته و حماته جيش نابليون الذي استسلم مرغما فوقع صك استسلامه يوم سلم عظمته للعكاويين فرمى لهم بتاج رأسه من خلف السور مندحرا الى حيت اخذ المرض جيشه المدحور فأصابه السقام و مرض الهزيمة الذي لا دواء له الا الموت و راحة الجسد من عذاب يحرق القلوب والصدور. اما و انك تكتم امرا عني، فخذ هذه قال ابو اليسار. لو عشت ايام الجزار العظيم لجعلك دكة في اساس هذا السور الحصين.. الآن جاء وقت اعادتي الى حيث يجب ان اكون قلت لنفسي؛ و ها ابو اليسار يراودني عن شرود روحي العليلة. لماذا يا حبيب تريدني دكة في السور؟ لأن الجزار؛ تابع ابو اليسار؛ كان يأمر بوضع الرجال ممن تقل اطوالهم عن متر وستين سنتمترًا دكة في السور بدل الحجارة، فهو لم يكن يحب قصيري الطول و قليلي الوزن من الرجال. لماذا تظلمني؟ قلت، فأنا متوسط القامة و الوزن و اناسب معايير الرجولة عند الجزار ورجاله الميامين. ثم دعنى اسلم بادعائكم و انا صديقكم الحميم او اللدود ان شئتم؛ فماذا كنتم ستفعلون من بعدي؟ ضحكنا و تابعنا السير كأننا نمر و فهد جمعهما الاصل و حب الشقاء في تحدي صلف قليلي المرؤة من الآدميين والسنين، للحياة عاشقون وللحب ناثرون.
هذا مسجد الجزار (احمد باشا)، قال ابو اليسار بعد ان ركن السيارة في موقف تحت لهيب شمس لا ترحم من لا يتقي اشعتها العكاوية. صعدنا الدرج ما يرتفع عن مستوى الارض مترين فاذا بنا في باحة تحيطها ابنية تنطق بحضارة عمرانية عمرها الفيات من غابر الزمان وحاضر تسخر حجارته بلصوص العصر و اهل بلاد قهرتهم الفرقة و جيران اتخذوا من تجار السلاح اولياء لهم صاغرين. باب المسجد جذبني الى داخله باحثا عن المحراب و محاريب المساجد تنطق بما كان يفكر الاولون. خلعت النعلين مأخوذا بعد ان لقنني ابو اليسار علما لا مكان له في رؤوس من استكتبوا كتب التاريخ الحديث ولا علم لهم في علم التأريخ و هم له مزورون وبالصاق قشور التزيف منشغلون. تبعني ابو اليسار و انا و اياه مسلمان، مسيحيان، علمانيان ، شيوعيان وان شئتم بوذيين جمعنا الوطن فعجننا بماء المحبة ؛ البحث عن الحقيقة في زمن اسقطت خلسة الحقيقة ابرة في كومة قش ارادته غرائز من يأكلون التبن بين ثناياه تترصد الحيات من كانوا عن العدل باحثين. غضب ابو اليسار و انا اتركه وحيدا في باحة المسجد غارقا في استحضار التاريخ وصبه في آذان من غاص في التاريخ اعماق اعماقه؛ فجعله حائرا في امر السُّقَّط السافلين. حدثني ابو اليسارعن دهاليز وخزانات مياه تحت المسجد تحفظ اسباب الحياة و أرواح المؤمنين وقت الشدة حيث لا ينفع المرء الا تحسبه و قراءته لعقول الغزاة الطامعين. وسط باحة الجزار انتصب قضيب حديدي قصير برأسه المدببة يقرأ كف الشمس و البحر و جور الزمن الذي فقط يحترم الاصحاء الاقوياء بالحق مؤمنين وللعدل منحازين. قطعة معدنية في عراء الشمس تشير الى الوقت مذكرة اهل الايمان بمواعيد صلاتهم و هم الى ربهم خاشعون. أين انت ايها الجزار؟ سموك جزارا فأين هم من اساءوا لك و لسيرتك فلولا الجزار ما كنا للغنم ذابحين و للحم حلال سخره لنا رب العالمين؛ فكنا له مشتهين آكلين. (يتبع)
