افتقدناك يا مها وخسرناك، لم نخسر جسدا وروحا فقط بل خسرنا فكرا متنورا متقدما حضاريا ذكيا وجريئا، يسعى دائما الى الارتقاء بمجتمعه بنسائه واطفاله.
كانت هادئة متواضعة جدا متزنة ومتسامحة، تناقش الآخر بهدوء وتروٍّ والمنطق يغلب على نقاشها، لقد ادركت قبل غيرها ومنذ نعومة اظفارها بان المجتمع يغرق بافكار بالية وعادات متخلفة، فحاولت كسر ايديولوجية القهر هذه بازاحة ستار الخنوع الذي اراده المجتمع المتجمد عقائديا ليلفِّع به المرأة وبالتالي المجتمع ككل فسعت للنهوض به من خلال النضال المرير ضد التمييز والقهر سياسيا واجتماعيا.
هي ابنة السنديانة ابتهاج خوري رحمها الله، هي عضوة في الحزب الشيوعي والجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة. ولم ينقطع نضالها من اجل السلام والمساواة حتى آخر ايام حياتها، وهي من اوائل المؤسسين لفرع حركة النساء الدمقراطيات في عكا، وعضوة فيها قطريا ايضا. مثلت الحركة في المؤتمرات في الخارج في موسكو وبكين وغيرها. كذلك مثلتها في جمعيات وحركات نسائية سياسية واجتماعية عدة، مثل نساء بالسواد وشتيل والتحالف النسائي الدولي في القدس. وكنا نخوض من خلال مؤتمراتهم في جدال عميق ضد عنصرية بعض المشتركين الرافضين لوجودنا. وكما كانت عضوة في جمعية ضد العنف اقيمت مؤخرا.
ومن خلال هذا النضال ادركت بانه يجب ان تنصر المظلومين، خاصة من الطبقات الفقيرة المهملة من قبل المؤسسات القائمة على العنصرية والتمييز والقوانين الجائرة. فكرست علمها وشهاداتها في الحقوق لتحصّل لهم حقوقهم، وفعلا حصلنا في اوائل التسعينيات على حضانة اطفال رضّع لا يوجد غيرها في البلدة القديمة حتى يومنا هذا، وروضات ايضا، كل ذلك تحت اسم حركة النساء الدمقراطيات بمساعدة عضو الجبهة في الكنيست في ذلك الوقت تمار غوجانسكي التي توجهت بدورها لتلك المؤسسات كالبلدية ووزارات الرفاه والعمل.
لم تيأس مها ونجحت بانجاز هذا المشروع مع عضوات الحركة الذي هو ليس حقا من حقوق الطفل فقط، بل حتى من حقوق المرأة لكي تستطيع ان تخرج الى العمل.
كذلك مشروع "فتيات في ضائقة" الذي يضم الآن 80 فتاة هن بأمس الحاجة لاطار دافئ، خاصة المتسربات منهن من المدارس.
وقد انتاب مها القلق حيال هذين المشروعين بألا يصمدا ماديا، وعليها السعي لتمويلهما مقابل المصاريف الباهظة والمعارضة بل الهجوم الاكبر لافشالهما. فأقامت جمعية "السنديانة" وترأستها وضمت تحت جناحيها هذين المشروعين لكي تستطيع جلب الاموال والصمود امام هذه المؤسسات الجائرة، وخاصة ان رواد هذين المشروعين لن يصمدا طويلا بالبقاء ماديا، ومن المستحيل ان تصد الباب دونهم من اجل المادة. اما المؤسسات، وبعد ان رأت نجاح المشروعين فقد اعترفت بهما، وساهمت بالقليل بما يحفظ ماء وجهها. وها هي مرة اخرى انجزت عضوات السنديانة حقوقا لفئة اخرى في مجتمعها.
ثم انها رأت بان من مسؤوليتها ان تُحصّل حقوقا للمرأة المظلومة وان تنصرها، فاختصت بالاحوال الشخصية، وكثيرا ما انقذت نساء وضعهن المادي تحت الصفر وكل ذلك دون مقابل. وهذا كله غيض من فيض.
هذه هي مها الانسانة التي احبت عائلتها واحبت مجتمعها واحبت وطنها. لم يكن بمقدور أي انسان الصمود حاملا هذا الحب وهذه المبادئ الفكرية وهذا العطاء السخي، الا اذا تجاوز من خلال انسانيته التوترات والعصبية، من اجل ان لا ينكسر نضاله وينحرف فكره، وليستطيع ايصال الرسالة، الا وهي السعي نحو مجتمع افضل.
كنتِ قائدة بكل ما في الكلمة من معنى، وقلّما ينجب المجتمع مثلك.
لم تكِلّي ولم تُعرضي، وبوقتك الثمين تتفانين، لكن وفي غفلة منا تسلل عدو الى ضلوعك، واخذتِ تصارعينه وحدك، لم يرحمك هذا العدو العاصف، ولم يرحم دموع من حولك، وحُرمنا منك، ومن العطاء السخي الذي هو من طبعك، واما لغز الحياة فأبى الا ان تكون لك البصمات الساحرة والذكرى الطيبة.
لن ننساكِ يا مها، ابدًا لن ننساكِ
ألف رحمة على روحك الطاهرة، والعزاء لعائلتك، ولمجتمعك طول البقاء.
(عكا)
