ليست المرة الأولى وليست الغشمنة وليست حسن النوايا، التي دفعت لجنة التسميات السلطوية لتغيير اسماء المواقع الطبيعية والتاريخية والتراثية في قريتنا كوكب، إلى أسماء معبرنة، فعيون كوكب، لا يمكن ان تصبح ينابيع "افلايم" الا على يد مجرم محترف في سرقة التاريخ والتراث، وجبل الديدباء ظهير كوكب وحاميها وحارسها لا يمكن ان يتحول الى جبل "عتسمون" الا على يدي متخصصين في صراع الحضارات وطمس الذاكرة الجماعية لشعب كامل. والمتصفح ولو قليلا لمناطقنا الجغرافية سيكتشف حجم المؤامرة وحجم الجريمة والأهداف الحقيقية وراء هذا العمل المشين لنا ولتاريخنا ولتراثنا وحضارتنا ومجرد وجودنا على هذه الارض وفي هذا الوطن الذي لا يوجد لنا وطن سواه.
أي أسلوب من النضال نتبع، وأي طريق من الكفاح نسلك واي منهجية عمل نسير حسبها، ماذا نفعل كي نقف في وجه مخطط سلطوي لئيم يحاول طمس معالم ثقافتا وتراثنا؟ لقد قام جبران عبد الفتاح بإثارة الموضوع كعضو مجلس وكممثل لجبهة كوكب، فقامت الدنيا ولم تقعد وأثيرت مواضيع جانبية وأخرى سطحية وترك الموضوع الاساس بدون نقاش وبدون حل، فأين الاحزاب السياسية، هل يكفينا إعلان موقف؟!، هل يكفي تصريح؟ هل يكفي ان نصدر منشورا ونصمت؟ هل عرف اهالي قريتنا وشعبنا حجم المؤامرة؟ هل اشركنا الناس حول الموضوع؟ ماذا جرى، أين متعلمو ومثقفو شعبنا من هذا الموضوع؟ فالبلاء ليس لكوكب وحدها.
كل شعوب الارض لها ثلاثة اعمدة ترتكز اليها تحميها وتحافظ عليها كبؤبؤ العين واي خلل في احداها يعني ان هناك خللا في مقوماتها كأمة وكشعب وهذه الاعمدة هي، أرض تؤوي وتحمي الشعب، بدونها لا مكان لوجوده، هوية وطنية كمميز حضاري ثقافي وفكري لابناء الشعب، وتاريخ وتراث يؤكد المشترك التاريخي الفكري والتراثي ويثبت المصير المشترك على مر الزمان لافراد المجموع.
لقد وعت الحركة الصهيونية ومنذ تأسيسها الى الاقانيم الثلاثة وعملت بكل طاقاتها من اجل تثبيت هذه الاعمدة فلطشت الارض وجيّرت الدين اليهودي للفكر الصهيوني بل وقومجته، اي قامت بتحويل الدين الى قومية وبذلك ثبتت ركيزته كشعب له هوية، وقامت باجبار التاريخ والتراث لملاءمة الارض والمكان، وبما ان اللغة هي اداة التراث والتاريخ ومركب اساسي للهوية فقد قامت بشكل ممنهج بتغيير المعالم اللغوية والتاريخية للمكان، وبعدها قامت بخلق الاساطير والحكايات حوله بما يوحي بطبيعة انتمائه.
اما نحن فكانت تصرفاتنا في الحفاظ على هذه الركائز عبارة عن مجموعة من ردود الافعال بدون تخطيط او تصور مستقبلي وبدون منهجة حياتنا بالاعتماد على هذه الركائز، فكان مصيرنا الفشل او مراوحة اماكننا في احسن الاحوال. فما تبقى لنا من ارض بعد معاركنا الطويلة من اجل الحفاظ عليها باننا نبيعها اليوم لأتفه الاسباب، لشراء سيارة، لزواج الولد، لسداد بعض الديون، حتى اصبحت الارض بعيون ابنائنا مجرد سلعة تساوي حفنة من الدولارات.
وفي مجال الهوية الوطنية والقومية والدينية فحدث ولا حرج، فقد دخلنا في متاهة التسميات والتعريفات التي لا حصر لها لتفتيتنا الى جزيئات صغيرة جدا يصعب رؤيتها حتى بالعين المجردة، فلم نعد نعرف حقيقة من نحن، من العرب العاربة أم من العرب المستعربة، أم اذا كنا عربا اصلا. أنحن إسلام شمالي أم جنوبي، سني أم شيعي، علوي أم درزي، مسيحي أم نصراني. ودخلنا في صراعات السلطات المحلية فقادنا في اغلب الأحيان بعض رؤساء غذوا انانيتنا، واشبعوا عائليتنا، واضاعوا هويتنا، وبتنا نبحث عن ذاتنا بين ثنايا العدم. من هذا يجب أن نحذر وهذا ما يجب علينا مواجهته.
(كوكب ابو الهيجاء)
