- كان الفلسطيني أمام أمرين؛ إما أن يرد العداء بالعداء، ويقاوم المؤسسات الدولية، وإما أن يبتكر الحِيل ولا يعدَم الوسيلة ليدخلها فارضاً عليها حقه، وكان الرأي الثاني الأكثر حكمة
// من تربة الإصرار على مصافحة السماء رفع الفلسطيني يده قابضا على جمرِ الهوية، أمسك طرف الزرقة جناحا، وتقدم .. جرّد كل المعجزاتِ أدوات لعملية الارتفاع، مروّضا أبطال الأساطير لتتقمص روحه التواقة إلى حرية لاتصل إلا بقرابين قدّمها على مذبحها، في الوقت الذي رأى الكثيرون الارتفاع كائنا هلاميا، لكنه فكَ لغزَ القمة، واستطاع أن يكشف حجر رشيد في الصراع، وترجم المستحيلات إلى أفعال..
عرف الفلسطيني أن للوطن مساحاتٍ وراءها مساحات، وساحات وراءها ساحات، حدّد جغرافياتها جميعا، وتدرّب جيدا على طرقاتها المتداخلة ونقاط ضعفها وقوتها، تدرّب على معادلات ورياضات ومناورات حتى صار القلبُ بوصلةً والروح دليلاً..
أن يرتفع علمٌ بعد تاريخٍ طويل من التضحيات والمعاناة، لهو الانتصارُ عينه....
أن يرتفع علمٌ على ساريةٍ لم تقبل وجودنا المكتمل يوماً فأصبحت ترجوه أن يرفرف عليها الآن، لهو الانتصار عينه....
أن يرتفع علمٌ لنا وبنا على مقرٍ دوليٍ شهد انهياراً في حصوننا التاريخية ووقف متفرِجاً، والآن أجبرت إرادتُنا موظفي مراسمه أن يفردوه ويتأكدوا من مقاساته ونوع قماشه وطول ساريته ليطابق معايير أعلام الدول الكاملة العضوية، لهو الانتصار عينه....
ووراء محصلة الانتصارات؛ كم تجاسرت قوى البغي والظلم على الروح الفلسطينية التي تشكلت عزماً على شق الطرق الوعرة، وامتهنت الانتصار على الذات والواقع المعقد في العلاقات الدبلوماسية والدولية، وعرف الفلسطينيون كيف يديرون مراحل الصراع وربط كل مرحلةٍ بخواص زمنها الرديء وبعوامل الاختناقات والإخفاقات والانكسارات ، ليتقِنوا حل معادلة تواجدهم السياسي، حيث المسافةُ بين الدم والضوء، كالمسافة بين حرفين في كلمةِ (فلسطين)....
لقد أبدعت الهندسة السياسية الفلسطينية في الفضاء الدولي، كان من أهمها 'الطريق إلى اليونسكو' الذي هو جزءٌ من شبكة طرق مرت بكل العواصم ، وكان لها محطاتٍ رئيسية في القاهرة وعمان ودمشق ونيويورك وأوسلو وباريس ولندن وموسكو وواشنطن حيث أبدع مركز التحكم في رام الله في إدارة الأزمات والمسارات ووجهها بحنكة الهندسة السياسية، فمنذ اندلاع الثورة الفلسطينية المسلحة على الأرض، برع المهندس الفلسطيني الفذ 'ياسر عرفات' في شق مئات المسارات في كتلة الفضاء، قد كان فضاء الدبلوماسية أشبه بصخرةٍ أمام الفلسطيني الأعزل إلا من قدرته ومهارته وإيمانه، وبتحدٍ للصلابة والرفض، كان الإمساك بدفة العلاقات الدولية أن يُبحر الرأي العام رويداً رويداً نحو الحق الفلسطيني ...
لقد أبدعت الهندسة السياسية الفلسطينية في صنع سفينة نوحٍ التي حملت الهم الفلسطيني بعيداً عن الطوفان، في حين أن (تايتانيك) الآخر غرقت ولم تستطع إنجاز مهمتها الأولى وهي طمس كل ما هو فلسطينيّ، والسبب منطقي وبسيط وهو أن سفينة نوح التي بنينا بأعيننا، كانت برعايةٍ إلهية لأننا أصحاب حق، أما سفينهم الذي جُنِّدَت له كل الطاقات فكان على الباطل، غرقت أفكارهم وطموحاتهم، فلم يستطيعوا إلغاءنا من الخارطة، بل إننا ركبنا الموج العالي دون خوف أو اضطراب،لأن لنا تاريخٌ عريقٌ ومنجزٌ بشري امتلكنا أدواته، وعرفنا كيف نوجّه بوصلتنا بقيادة ربانين أقوياء، صلوا ركعتين في باحة الأقصى قبل أن ينطلقوا، وقالوا سلاماً على روح المسيح الذي حمل صليبه في طريق الآلام المقدسية..
لقد أبدعت الهندسة السياسية الفلسطينية في تحديد الإحداثيات اللازمة لإعلاء المنجز، وإحداثيات السارية التي تتشرف برفع العلم الفلسطيني، فعند تجهيز الحركة الصهيونية لمخططهم في اغتصاب فلسطين، زوَّروا التاريخ والثقافة واغتصبوا مع الأرض تاريخها وسرقوا ثقافة شعبٍ كاملةً ونسبوها لهم، في محاولةٍ لطمس الهوية الفلسطينية، وساروا عكس تيار المنطق والتاريخ، وجندوا قدراتِ قوى الظلم والاستعمار والبغي في العالم، فعلوا ذلك وهناك في البعيد عن الفلسطيني تتعالى مؤسساتٍ دولية ادعت أنها تدافع عن حقوق البشرية في الكرامة والتاريخ والتراث وكل شيء كل شيء ، إلا الحق الفلسطيني لم تنظر إليه، بل وأحياناً ساعدت على اغتصابه ونصبت العداء له، وحذرت طلاب الحق من الاقتراب لباحاتها... وكان الفلسطيني أمام أمرين؛ إما أن يرد العداء بالعداء، ويقاوم المؤسسات الدولية، وإما أن يبتكر الحِيل ولا يعدَم الوسيلة ليدخلها فارضاً عليها حقه، وكان الرأي الثاني الأكثر حكمة.....
كانت اليونسكو هي المنبر الأقرب للنداء على حقٍ اغتصب، فهي من يدعي أنها راعية الثقافة والموروث الحضاري والتاريخ، عمل الفلسطيني على مقارعة عقل المؤسسة بالحجة العلمية وبالبرهان وهم من قال إن أعمالهم وقراراتهم تُبنى على أسسِ علمية، وكان سلاح الأدلة والقول الفصل سلاحنا الذي انتصر، رُفعت الراية الفلسطينية عليها فكانت اليونسكو أولى القلاع التي كسبنا في معركة الاستحقاق، استحقاق الدولة الفلسطينية ....
علمٌ فلسطينيٌّ إذن على اليونسكو، يضع العالم أمام واجباته، واليونسكو أمام قدرتها على الحفاظ على موروثنا التاريخي وهويتنا الوطنية، فهي باعترافها بوجودنا المتكامل، تؤكد هويتنا في التاريخ والأرض والثقافة، وتدافع بكل آلياتها عن كل ذلك ..
علمٌ فلسطينيٌ على اليونسكو .. مفخرةٌ فلسطينيةٌ تُضاف إلى سجل المفاخر، والتزامٌ أخلاقيٌّ كبير أن تستمر مسيرة انتزاع الحق حتى يكون للعلم الفلسطيني حضوراً مكتمل الفضاء في المشهد السياسي الدولي.
* شاعر وإعلامي فلسطيني
