نقطة الانطلاق واللاعودة والبحث عن الأمل والمستقبل

single

من يتابع الأحداث الجارية والمتسارعة في الشرق الأوسط والعالم العربي وخاصة في مصر وسوريا وتونس والبحرين، يصل إلى الاستنتاج التالي، من ان احتدام الصراع  بين الشعوب العربية وقواها التحررية والثورية وبين قوى الاستعمار والامبريالية والصهيونية، بواسطة أنظمة التبعية والعمالة من الحكام والأمراء والملوك العرب قد وصلت إلى نقطة اللاعودة.
ان تجربة الشعب المصري بتعميق مفهوم الثورة، جديرة بالاهتمام والدراسة، وكيفية الوقوف في وجه سياسة الإخوان وكشف القناع الحقيقي لسياسة ونظام مرسي المتواطئ مع الغرب والذي لم يمر عليه أكثر من عام واحد فيما فشل فشلا ذريعًا في إدارة الحكم في البلاد، هذه التجربة الشعبية الناجحة أصبحت محط أنظار شعوب أخرى في العالم العربي، كذلك في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ان اتساع الهوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما ينتج عنها من أزمات في المجالات كافة، بين مجموع الشعوب العربية وبين سلطة الفساد والإفساد السياسي والاقتصادي في رأس الهرم الحاكم في أنظمة العرب من المحيط إلى الخليج والاذدناب السياسي الإداري الخارجي والداخلي للولايات المتحدة والغرب عمومًا، والقبول بدور الدفاع وخدمة المصالح الاستراتيجية للامبريالية الأمريكية والغربية على حساب لقمة عيش وحرية وكرامة الشعوب العربية، مما جعل هذه الشعوب تنتفض وتنتقم في ثورات الاحتجاج السياسي والاجتماعي والذي أصبح من المستحيل ان يوقفها احد. فالشعب عندما يصل إلى حافة الجوع والانتقاص من الكرامة الوطنية يخرج بملايينه إلى الشوارع والميادين ليسقط النظام، فالتجربة التونسية والمصرية هما تجربتان رائدتان ومحركان أساسيان في مجموع ما يشهده الشرق الأوسط والعالم العربي.
ما جرى في كل من تونس ومصر يختلف اختلافا كبيرا عن ما جرى في ليبيا ويجري في سوريا الآن أو في اليمن والبحرين وأماكن أخرى. الذي جرى في كل من مصر وتونس ثورة شعبية بالمفهوم العام على شكل هبة احتجاجية بالملايين عميقة بالمفاهيم الاجتماعية وغزيرة بالمطالب السياسية والاقتصادية جمعت تحت سقفها جميع أنواع النسيج الطبقي والاجتماعي. لقد رأينا في مجمل مراحل الصراع ان كلا الشعبين التونسي والمصري وفي سبيل الدفاع عن المكتسبات التي حصلوا عليها في خلع كلا النظامين الا ان ونتيجة لتدخل قوى خارجية وإقليمية في محاولة لإجهاض وتفريغ كلا الثورتين بالمفهوم السياسي من المضامين الاجتماعية والسياسية، نجحت بعض القوى خاصة التيار الإسلامي الديني والسياسي في سرقة واستغلال الثورة وتجيير المكاسب الشعبية المكتسبة على انها مكاسب قد حققها نظام الإخوان والنهضة في كل من مصر وتونس. لقد انخدعت الجماهير مرة أخرى، ولكن سرعان ما تكشفت الأمور  في اقل من عام واحد، وها هي الأرض تزلزل مرة أخرى تحت أقدام حزب النهضة الإسلامي وتحالفه في تونس الخضراء، وان كلا الشعبين في كل من مصر وتونس يسيران في مقدمة الشعوب العربية المطالبة بالحرية والاستقلال وإشاعة الديمقراطية وترسيخ أسس العدالة الاجتماعية وبناء المستقبل.
هذا التوجه سيسقط ان لم يكن قد اسقط الرهان على المشروع الأمريكي – الأوروبي القطري السعودي التركي، في احتواء الحراك الشعبي لحركة الشعوب العربية نحو الحرية والعدالة الاجتماعية والمستقبل الأفضل، فالأموال التي دفعت وتدفع قبل وبعد اعتلاء الإسلاميين إلى الحكم في كلا البلدين قد ذهبت من اجل التآمر وجيوب وجوارير من يخطط ويمول لتنفيذ الصفقات وحياكة المؤامرات المشبوهة من وراء الكواليس بهدف زج البلاد في جو من الإرهاب والفوضى للوصول إلى الحرب الأهلية، لتبرير التدخل الخارجي وعلى وجه الخصوص الأمريكي والأطلسي كما يطالب اوردغان اليوم في مصر بالذات.
المشروع الأمريكي – الأوروبي بالتنسيق مع وبواسطة الإدارة الممولة والمنفذة في كل من قطر والسعودية وتركيا وبعض الأوساط اليمينية في لبنان وغيرها، لا يرون الطابع الاجتماعي والسياسي للمطالب التي رفعها المتظاهرون في البلدين، في ليبيا خططت القوى الداخلية بالتنسيق مع حلف الأطلسي والأمريكيين لإسقاط نظام القذافي الذي أبدع في قتل الليبيين بواسطة كتائب المسلحين، وهذا شكل المبرر للقوى المرتبطة مع الجهات الخارجية لتدخل حلف الأطلسي، وان تتدمر ليبيا اقتصاديا وسياسيا بهدف الاستيلاء على النفط الليبي وتنصيب دمى تحركها المخابرات الأمريكية كما تريد وعلى شاكلة نظام حامد كرزاي في أفغانستان.
في سيناريو التدخل السوري، جرى عسكرة المظاهرات الاحتجاجية ذات الطابع السلمي وتم تحويل سقف المطالب من الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية إلى مطالب بعيدة عن طبيعة الشعب السوري، فقد جرى إلى جانب عسكرة وتسليح حركة الاحتجاج، إقامة جيش داخلي وشرعنة قوانين تمس بالوحدة الوطنية والدينية المذهبية، وأخذ الإعلام العربي والمعادي مثل قناة الجزيرة بالتحدث عن صراع على أساس طائفي بين السنة والشيعة وعلويين ومسيحيين ودروز وغيرها، وترويج لإقامة الدولة الإسلامية بدلا من السورية ودولة الخلافة والشورى وغيرها، كل ذلك بمباركة وتمويل وإشراف السعودية وقطر وتركيا وتحت مراقبة ودعم المظلة الأمريكية والأوروبية وصندوق النقد الدولي، والتنازل عن الكرامة القومية والوطنية وضرب العلاقات الاستراتيجية مع إيران والمقاومة اللبنانية والفلسطينية وبالتالي تحويل سوريا من بلد مقاوم ومساند ورافض للاستعمار والامبريالية إلى بلد يعيش على التبعية تحت الجزمة الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية.
ان المنطقة العربية وشعوبها ستتعرض إلى المزيد، في الأيام والفترات العاصفة الأحداث والنكبات والمتغيرات والمآسي والويلات، لان الجديد في شكل التخطيط والتأمر الامبريالي على شعوب المنطقة أصبح يأخذ شكلا شرعيًا بصيغة دولية تحت مظلة الأمم المتحدة ومجلس الأمن اللذان يعملان وفق المصالح الأمريكية والأوروبية، والجديد في شكل الرد من شعوب المنطقة على هذه السياسة العدوانية هو اتساع حلقة الرفض الجماهيري والشعبي لها بخروج الملايين إلى الشوارع والميادين للتعبير عن مدى المرارة والاحتجاج ليس للسياسة الأمريكية فحسب وإنما البحث في العمق الاجتماعي والسياسي في رسم طريق وتطور وازدهار هذه الشعوب بشكل يبعد عنها عدوانية السياسة الأمريكية والاستعمارية التي هي سبب مآسي  وويلات شعوب المنطقة والعالم اجمع.
ان حالة اللامبالاة وعدم الاكتراث التي عانى منها المواطن العربي لسنوات طويلة مضت، قد انتهت وتحولت مدة السبات إلى موجة رد ورسالة غنية بمضامين سياسية مختلفة داخلية وخارجية، فالرسالة الداخلية موجهة للحكام وأنظمة الفساد العربي بان الأمر فاق عن حده وان درجة الغليان الشعبي باتت أمرا لا بد منه، وهذه الرسالة بمضامين اجتماعية واقتصادية وثورية. أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى العالم وخاصة للأمريكيين والأوروبيين وحكام إسرائيل مفادها بان الرهان على الخيول القديمة من الحكام العرب في حل مشاكل المواطن العربي عامة إنما عمقها سياسيا واجتماعيا نتيجة للدعم الأمريكي والأوروبي لهذه الخيول الفاسدة من الحكام وان واجب الأمريكيين والأوروبيين تغيير سياستهم واحترام إرادة واختيار وحرية هذه الشعوب في رسم شكل المستقبل الذي يرونه.
على ذلك يحتد الصراع، وهذا هو الجوهر. الشعوب بالملايين تدرك ان واجبها حماية الثورة والمكتسبات وبناء شرق أوسط جديد خالي من السياسة الأمريكية والأوروبية وخلع الأنظمة العميلة، ومن اجل ذلك خرجت الملايين إلى الشوارع والميادين في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن والبحرين وأماكن أخرى، فيما يصر الأمريكيون بإدارة اوباما بالتنسيق مع الأوروبيين وحكام إسرائيل على بناء شرق أوسط جديد خال من المقاومة والحرية والاستقلال ويرسخ الاحتلال ويشرعن المستوطنات ويعمق التبعية تكون فيه الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولان عن آمن وغذاء شعوب المنطقة من خلال زيادة ونبرة عمليات السلب والنهب لثروات هذه المنطقة بواسطة تعزيز وتقوية نفوذ الموالين لها من الحكام والأمراء والملوك العرب.
يريدونه "شرق أوسط جديد" عن طريق تعميق التبعية وتجزئة وتقسيم المقسم إلى دويلات وكنتونات إسلامية وشيعية وسنية وعلوية وعائلية وحمائلية مثل آل سعود وآل الصباح وآل حمد وجعلها تتصارع فيما بينها كي يطلب الجميع تدخل قوى الخارج وحمايتها وترفق سلاحها وخبراءها وعندها تضمن تدفق البترول العربي وفق شروطها وأسعارها إلى ان يقضي طرف على الأخر.
ان مسيرة الشعوب وتجربتها تسير بعكس ما يفكر أعداء الشعوب، والتجربة تقول ان الغلبة دائما للحق والشعوب التي تسير إلى الأمام.

 

(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليس فقط ردا على صديقي د. رائف زريق

featured

فلسفة الكلمة و فلسفة المكان

featured

ردًّا على مغالطات الصحفي قاسم زيد: من يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه!

featured

التخبّط الأميركي

featured

ظاهرة أحمد الأسير (1+2)

featured

حكومة لا تخدم الا أصحاب رؤوس الأموال