بعد أقل من سنتين على الثورة الشعبية التي أدت للإطاحة بحسني مبارك، وبعد ستة شهور من تولي محمد مرسي رئاسة الجمهورية، تدخل مصر مرحلة سياسية جديدة، كانت متوقعة ولكنها تتطوّر بوتيرة تفوق كل التوقعات.
إنّ قضية الدستور، والتي فجّرت سجالا واسعًا في الأسابيع الأخيرة، تخلله أعمال عنف واعتداءات فاشية من مليشيات الإخوان على شباب الثورة، أماطت لثامًا جديدًا عن وجه جماعة "الإخوان المسلمين"، والتي استحوذت على الحياة السياسية المصرية.
فقد تبيّن للجماهير المصرية أنّ هذه الجماعة لا تنوي التأسيس لنظام سياسي جديد، ديمقراطي وتعدّدي يخدم الشعب، بل تعمل ليل نهار للاستئثار بالسلطة، وإعادة إنتاج الاستبداد، من خلال "أخونة" الدولة والسيطرة على كل مفاصلها، لا سيما جهاز القضاء ووسائل الإعلام.
يأتي هذا التناقض، في مسألة الديمقراطية، لينضم إلى تناقضات أخرى كشفت عنها تجربة الإخوان في الحكم. إذ تبيّن خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة أنّ "النظام الجديد" في مصر حريص على الانسجام مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية بما لا يقل عن ذالك القديم، لا بل أنّ واشنطن أعربت عن رضاها من براعة الإخوان في هذا!
وتبيّن أنّ السياسة الاقتصادية التي يتبعها الإخوان لا تختلف عن سياسة نظام مبارك، المنبطحة في وجه الرأسمال والبنك الدولي، المستقوية على العمّال والفقراء والمسحوقين. وتبيّن أنّ الجماعة غير مستعدة وغير مهيّأة للقبول بقواعد الديمقراطية الأساسية، والتخلّي عن نهجها التكفيري وعنفها، وعن تجارتها الرخيصة بالدين وزعم احتكارها للحقيقة.
إلا أنّ ما يبعث على الأمل والتفاؤل، هو وعي المصريين الحاد لطبيعة النظام الجديد وألاعيبه وأكاذيبه، وخطورته على مستقبل مصر. وحتى لو نجح الإخوان مرحليًا في اغتصاب صناديق الاستفتاء على الدستور، فلن يكون بمقدورهم حبس إرادة هذا الشعب العظيم وسعيه الثوري إلى تحقيق أهدافه النبيلة: عيش، عدالة، حرية، كرامة إنسانية.
