المأزق الإسرائيلي

single

نتنياهو محشور في مواجهة مطالب المجتمع الدولي والضغوط الأميركية، الهادفة نحو تليين مواقفه بالقدر الذي يستجيب للاستحقاقات الفلسطينية، ولكنه يتهرب من تلبية ما هو مطلوب منه، ويحتمي بسياسة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ احتلال العام 1967، في عدم تلبية حقوق الشعب العربي الفلسطيني وفق القرارات الدولية والاتفاقات المعقودة بين منظمة التحرير واسرائيل.
وإحدى وسائله للتهرب مما هو مطلوب منه، محاولاته نقل حالة الإرباك الذي يعيشه الى الجانب الفلسطيني، والتضييق عليه، مستغلاً امتلاكه لقدرات التفوق العسكري والسياسي والبشري والاقتصادي وتوظيفها لمصلحة مشروعه التوسعي في قضم المزيد من الأرض والعمل على تهويدها وأسرلتها وصهينتها، ولا يقتصر ذلك على القدس وحدها بل يمتد إلى الخليل وبيت لحم والتلال والغور والبحر الميت، وإبقاء جيب فلسطيني مسجوناً بين الجدارين.
نتنياهو "مغيوظ" ومقهور لأن الجانب الفلسطيني لا يعطيه ذرائع لمواصلة خطته التوسعية، فهو يستعد عسكرياً لتحقيق ثلاث ضربات واحدة ضد إيران والثانية ضد حزب الله والثالثة ضد حماس، ويجد أن الثالثة الأكثر سهولة والأقل كلفة لتغيير أولويات الاهتمام الدولي في منطقتنا، ولكنه لا يجد الذرائع الملموسة لتبرير عدوانه المحتمل على فقراء الفلسطينيين وزيادة عذاباتهم جراء الاحتلال والانقلاب على السواء.
فالحكومة الائتلافية في رام الله تمنع العمل المسلح من أراضيها ضد الإسرائيليين وكذلك حكومة حماس الحزبية في قطاع غزة، والذي يغيظ نتنياهو أكثر أن ذلك يتم بالتراضي والتوافق وأقل ما يمكن بالردع، فالخيار المسلح بات مستبعداً في هذه المرحلة بالذات من حسابات فتح كما هو لدى حماس وكذلك لدى الجبهة الديمقراطية، وأقله لدى الجبهة الشعبية وما زالت متحمسة له حركة الجهاد، ولكن في الأثر الملموس الكل في الهواء سوا، وإن كانت المفردات المستعملة غليظة ولكنها فارغة من الفعل وتقتصر على التمسك اللفظي بمفردات المقاومة دون أن يلي ذلك قدرة أو رغبة على الفعل.
غياب فعل المقاومة المسلحة، يعود إما الى العجز والفشل، وإما إلى الإدراك الواعي، حصيلة الخبرة والتجربة العلمية في عدم خوض معارك غير متكافئة مع العدو المتفوق، فحركة فتح دفعت ثمناً باهظاً في معركة الجدار الفاصل العام 2002 في الضفة باغتيال ياسر عرفات واعتقال مروان البرغوئي، وحركة حماس أيضاً في معركة الرصاص المصهور في قطاع غزة أواخر العام 2008 باغتيال سعيد صيام ونزار الريان، وكلاهما بات محاصراً بالتفوق والقدرة الإسرائيلية.
وفي غياب فعل المقاومة المسلحة، يبرز مرة أخرى الفعل الشعبي والاحتجاجات الجماهرية ضد الاحتلال، وتوسيعها وتنظيمها وزيادة وسائلها الخلاقة، بهدف إشراك أكبر قطاع ممكن من الشعب الفلسطيني وقواه السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في معركة الاستقلال الوطني، إضافة إلى كسب انحيازات بسيطة تراكمية من المجتمع الإسرائيلي وإعادة إحياء معسكر السلام الإسرائيلي ليؤدي دوره وواجباته الإنسانية والسياسية لمصلحة التفاهم والشراكة بين الشعبين، في مواجهة التطرف والإرهاب والاحتلال.
نتنياهو محشور، رغم قوة الدعم البرلماني في الكنيست ورغم طغيان اليمين الإسرائيلي المتطرف، فهو محشور وسياساته أدت إلى بروز ثلاث حقائق سياسية مهمة:
أولاً : وضع القدس على طاولة الاهتمامات الدولية، وجعلها القضية الأسخن في ضمير العالم ونشاطاته وبرامجه.
ثانياً : دعم الجانب الفلسطيني وقواه في رفض التفاوض على قضايا المرحلة الانتقالية، وتركيز اهتمامه على جوهر الصراع والمطالبة بإنهائه عبر إنهاء الاحتلال، وليس الاهتمام بآثار الاحتلال ومظاهره وتحسين ما يسمى عوامل الثقة، فالمشكلة المركزية هي وجود الاحتلال وليس ما ينبثق عنه.
ثالثاً : تطور الموقف الأميركي بالاتجاه الإيجابي والتركيز على مفاصل جوهرية وهي تحديد حدود دولة إسرائيل بخطوط الرابع من حزيران 1967، ورفض الاستيطان خارج هذه الحدود لأن الأراضي الواقعة خارج حدود دولة إسرائيل وفق خطوط الرابع من حزيران، هي أراض محتلة لا يجوز المساس والتوسع على حساب شعبها، أي أراضي الضفة والقدس والقطاع، وهي أراضي مشروع الدولة الفلسطينية المنشودة.
حصيلة التطرف السياسي الإسرائيلي أدت إلى هزيمة التعبير الإسرائيلي "أرض متنازع عليها" وانتصر التعبير الفلسطيني العربي الدولي، إنها أرض محتلة يجب أن تعود لأهلها وأصحابها ولا يجوز احتلال أراضي الغير بالقوة وفق تعبير قرار مجلس الأمن 242.
نتنياهو وطاقمه الحكومي وائتلافه محشورون، بينما تتصرف القيادة الفلسطينية على الساحة الدولية وفي الميدان على الأرض بثقة وعقل بارد وأعصاب متماسكة مسنودة بالحق والعدالة وقرارات الأمم المتحدة وإرادة المجتمع الدولي واللجنة الرباعية، الأكثر تفهماً وتعاطفاً مع عذابات الفلسطينيين في الحياة والكرامة والاستقلال مثل كل الشعوب الحرة والمحترمة.

h.faraneh@yahoo.com
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لننقذ الأسيرة هناء شلبي!

featured

حقيقة نتنياهو لدى يعلون

featured

التفسير العلمي للأحاديث النبوية - إساءة للحديث وليس تصديقًا له

featured

معركة المدارس الأهلية... لها ما بعدها: "منها للي أكبر منها"

featured

بمناسبة الذكرى السنوية الـ 36 لحرب تشرين التحريرية عام 1973

featured

كلما عاد فصل الشتاء

featured

كأني بحكام اسرائيل لم يسمعوا بكلمة سلام

featured

حلقة في سلسلة جرائم واشنطن