كلما عاد فصل الشتاء

single

أحب المطر والغيوم والبرق والرعد والبَرَد والثلج ويطربني صوت المزراب وخرير المياه في القنوات وفي الوديان.
 المطر رحمة من الله لعباده – كما ينص تراثنا الديني – وخير للإنسان والحيوان فإذا جاء الخير شمل الجميع: العامل والفلاح والملاك والفقير – كما ينص موروثنا الشعبي.
يصلي البشر منذ ألاف السنين ويبتهلون لنزول المطر إذا ما تأخر هطوله، وصلاة الاستسقاء موروث شعبي وديني عند جميع شعوب الشرق.
 كنا في طفولتنا نتجمع في ساحة القرية قبيل الأصيل ونسير في الأزقّة والطرقات نبتهل إلى الله:
 يا الله الغيث غيثنا       حسن لِقرع راعينا
 يا الله الغيث يا ربّي     تا نسقي زرعنا الغربي.
 ونقف أمام كل بيت في القرية نُردد ابتهالنا ونشيدنا فيخرج أحد أفراد المنزل وفي يده وعاء مملوء ماءً فيرشه علينا تيمنا بنزول المطر وعندئذ نعدو مبللين بالماء فرحين. ويا لسعادتنا إذا ما استجابت السماء لدعائنا وأمطرت.
أشعر براحة في فصل الشتاء فالطقس متنوع وبعيد عن ملل وروتين الصيف ففيه الطقس الغائم والصافي والماطر والصحو والبارد والدافئ والمشمس وهناك قوس القزح الجميل الذي كنا نعدو لنقبض عليه فيهرب منا ويرفض أن يسلمنا ألوانه.
يُفرحني نزول الوسميّ الذي كنا نسميه "شتوة المساطيح". كانت أمهاتنا في تلك السنوات ينشرن على السطوح ثمار التين لتجفّ وتصيح قطيناً، وثمار العنب لتصبح زبيباً كما كنّ يجففن الباميا والبندورة والملوخية والفليفلة الحمراء  وعندما يلحظن اقتراب الوسمي يجمعن هذه الأطعمة عن السطوح كي لا يتلفها المطر.
أنتظر عاماً بعد عام أيام المستقرضات الغربية والشرقية وفي هذا العام استجاب آذار لنداء أخيه شباط فحمل إلينا البرد والثلج كي تحرق العجوز دولابها، كما جاء في الأسطورة.
في أيام الصحو المشمسة أخرج إلى البر وأقطف البرقوق وعصا الراعي والنرجس والصفير والأقحوان وأجمع اللوف والمقرة والخردلة والشومر وقد أصطحب زوجتي لتجمع الخبيزة والعلت والسلق ولكني لا أنجح في جمع الفطر على الرغم من أنني أحبه ولا أعرف أن أجمع الهليون وأما العكوب فلا ينبت في الجليل الغربي.
سقى الله تلك الأيام حينما كنا نخرج إلى السهل والوعر والوادي نحمل الفخاخ لنصطاد الزرزور والسمّان والشحرور واللامي والحلاج ونعدو بين القندول والبلان والسريس والبطم والسنديان والخروب، ونأكل الشومر والقرصعنة والزعتر الأخضر والخبز المدهون بزيت الزيتون ونشرب من العيون والينابيع ماء زلالاً، ونسبح عراة في الغدير البعيد فلا يرانا الكبار رجالا أو نساءً، ولا أنسى غاراتنا على الكروم لنملأ جيوبنا بثمار اللوز الخضراء.
كلما عاد فصل الشتاء وهطل المطر حملتني الريح إلى زمن الطفولة والى جلسات أفراد العائلة حول كانون النار والحكايا والقصص الممتعة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ما هو العالم العربي الذي اعتمدنا عليه؟

featured

الغد الجديد والانحياز لثقافة الشعب

featured

الادارة الامريكية متورّطة بالاستيطان!

featured

إذا كان محمد بكري سيحاكم فالحقيقة عصماء لا تُحاكَم

featured

المجتمع العربي هو حقًا مثل المرأة العربية المعنفة

featured

أطفال تحت أعقاب البنادق

featured

انتقال المعركة من الميدان الى السياسة وهي الاصعب..!

featured

نهاية مسرحية الأزمة