الصورة الشهيرة التي تجمع بين الصهيوني حايم وايزمان والملك فيصل.. من ضيّع فلسطين؟
*إطلالة على القضية الفلسطينية- الجزء الثاني // المؤلف: عبد المجيد حمدان // إصدار- المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية- 2009 568// صفحة*
ماذا يفكر غلوب باشا عن القادة العرب..*بعد أن رأت الكلاب قطع اللحم تركت الدفاع عن مضارب أصحابها* في كتاب عبد المجيد حمدان شهادة مثيرة لسائق الجنرال البريطاني غلوب باشا، الذي تولى مسؤولية الجيش الأردني من قبل بريطانيا، تظهر رأي غلوب باشا بالقادة العرب: "ينقل ناصر السعيد عن السائق الخاص للجنرال كلوب باشا، قائد الفيلق العربي، رأي هذا الجنرال في القادة العرب. يروي السائق واسمه عوده النيص حديثاً كان هو عليه شاهد عيان. يقول: في العام 1947 زار الأردن وفد من كبار المسؤولين البريطانيين ليأخذوا رأي غلوب باشا في تقسيم فلسطين. قالوا له: لكوننا نخشى يا جنرال ردود الفعل العربية ضد بريطانيا التي تؤيد تقسيم فلسطين، جئنا لأخذ رأي القادة العرب ورأيك بصفتك الخبير في المنطقة. فما رأيك بردود فعل التقسيم عند العرب؟ قال غلوب باشا: سأعطيكم الجواب يوم غد وكان الوقت ليلاً. وفي الصباح الباكر طلب الجنرال مني أن اشتري له خمسة أرطال من اللحم، وأن أطلب من القصاب أن يقطعها قطعاً صغيرة، ففعلت. وبعد أن أحضرتها طلب غلوب باشا من ضيوفه الركوب معه فركبوا. قدت السيارة بهم والجميع في دهشة من تأخر الجنرال في رده على سؤالهم عن "رد الفعل العربي فيما لو حدث التقسيم". وفي غمرة تساؤلاتهم تلك، ابتسم الجنرال غلوب ثم طلب منهم التريث لحظات، وهو يقول لي اتجه يا عودة نحو مضارب بني صخر بسرعة لكي يكون الجواب سريعاً. وما أن وصلنا قرب مضارب العشيرة حتى ثارت كلاب العشيرة تنبح بشراسة مدافعة عن البيوت، مبدية عدم الرغبة في قدومنا. وما أن تكامل عقد الكلاب وأحاطت بنا من كل جانب ولاحظ غلوب باشا انزعاج ضيوفه الانجليز صولة الكلاب، اخذ الجنرال غلوب باشا يقذف بقطع اللحم ذات اليمين وذات الشمال.. فخمدت ثورة الكلاب، بل انعكست ثورتها إلى ترحيب بنا بترقيص ذيولها احتراماً، وأخذت تنبطح أمام سيارة الجنرال وضيوفه الانكليز مقدمة لهم الولاء والطاعة والاحترام المتزايد، الشيء الذي اضحك الانكليز كثيراً. وبينما هم في غمرة الضحك من فعل الكلاب والفعل المعاكس قال الجنرال غلوب: "هؤلاء هم حكام العرب تماماً! أما الشعوب العربية فأشبه بأصحاب الكلاب الذين فوضوا أمر حماية البيوت لدفاع الكلاب عنها بالنباح، وبعد أن رأت الكلاب قطع اللحم تركت الدفاع عن مضارب أصحابها. فاذهبوا الآن لتقسيم فلسطين دون تردد، ودونما أخذ رأي قادة العرب، فهم مثل هذه الكلاب تماماً. وأبدى أحد الانكليز استغرابه من ذلك الكلب الذي يبدو اكبر سناً ومع ذلك يقود رعية الكلاب مع أنه أعور العين.. فأجابه غلوب ببداهة سريعة يقول: ألم تعرفه حتى الآن؟! انه عبد العزيز آل سعود قائد العرب وأكبر أصحاب بريطانيا. ثم تساءل الباشا قائلاً: هل اقتنعتم الآن؟! قالوا له: اقتنعنا. قال لهم مع السلامة. وحدث التقسيم بعد برهة وجيزة من استعراض الجنرال غلوب لرعية الكلاب." (ص 236-237) |
اعتمد الفلسطينيون على العالم العربي في الدفاع عن قضيتهم، ولذلك من الضروري أن نتعرف على حالة هذا العالم في تلك الفترة، لنصل للاستنتاجات الصحيحة. لقد استغلت الحركة الصهيونية الضخامة العددية للعالم العربي للتلويح بالخطر المحدق باليهود، ومن جهة أخرى عرف الاستعمار والحركة الصهيونية هذا العالم، خير معرفة، من خلال أزماته الداخلية وتخلفه عن ركب الحضارة.
ومن هنا أهمية ما يورده الكاتب عن موقف بريطانيا حيال قدرة العرب في تلك الفترة المبكرة في تاريخ القضية الفلسطينية، فما يميز هذا الموقف هو الاستهتار الكامل بقدرة العرب على مواجهة التحديات التي تواجههم. وحسب تحليل الكاتب فإن تاريخًا طويلاً ومؤلمًا من عجز العرب على التصدي للضربات المهينة التي وُجهت ضدهم، كان من وراء هذا الاستهتار. فيتحدث الكاتب هنا بأن الدول الكبرى اختبرت الأمة العربية في عدة تجارب مصيرية، تميزت بغياب محزن لأي رد عربي. فهل كان هذا التاريخ الذي غاب فيه رد فعل عربي موحد على الانتهاكات الأجنبية هو ما دفع الانجليز للاستخفاف برد الفعل العربي في قضية فلسطين، على أساس ما اختبروه في الماضي.
يشير الكاتب إلى عدد من الوقائع "شديدة الدلالة"، كما يصفها، لأنها شكلت النموذج للحالة العامة للدول العربية:
// الواقعة (1): كيف وبخ السير بيرسي ابن سعود
"المتمعن في الخارطة لا بد أن تشد انتباهه الخطوط المستقيمة التي رسمت هذه الحدود والتي لا نظير لها في العالم" (ص97)..هذه الخطوط "ربما قسمت القبيلة الواحد إلى قبيلتين، ومنعت الاتصال بين شطري القبيلة الواحدة،، كما حدث مع قبائل شمر، شمال السعودية"... (ص 97). هنالك حاجة لقراءة مفصلة للكتاب من أجل أن نرى الجبروت الاستعماري في تخطيط الحدود، والتبعية الشاملة لابن سعود، فيقتبس الكتاب عن المؤرخ فاسلييف: "كان أمرًا غريبًا أن يلاحظ المرء كيف يوبخ المندوب السامي صاحب الجلالة سلطان نجد... قال كوكس لبن سعود بصراحة أنه هو (أي كوكس بيرسي- المندوب السامي)، هو من يقرر شكل الحدود وامتدادها العام.. كاد عبد العزيز أن ينهار ، وقال بتأثر أن السير بيرسي هو بمثابة أمه وأبيه اللذين أنجباه ورفعاه من الحضيض إلى مقامه الحالي، وأنه مستعد للتنازل عن نصف مملكته بل عن المملكة إذا أمر السير بيرسي" (ص 98). وفيما بعد، وكما يذكر الكتاب "أخذ السير بيرسي قلمًا أحمر ورسم بحذر على خارطة الجزيرة الحدود من الخليج إلى شرق الأردن" (ص 98)
// الواقعة (2): "منعت بريطانيا الأمير عبد الله من استقبال أبيه في عمان"
بعد اضطرار الشريف حسين، التنازل عن العرش لابنه علي، واضطر للتوجه إلى الأردن، منعت بريطانيا ابنه الأمير عبد الله من استقبال أبيه في عمان، ومنعت أخاه ملك العراق، فيصل، من استقباله.. "وهكذا عجز الأمير والملك من تقديم أبسط واجبات طاعة واحترام وتوقير الابن لأبيه" (ص99). وعندما نُفي الشريف حسين إلى قبرص ومات هناك ولم "يتمكن ابناه من زيارته ولو لمرة واحدة" (ص 100)
// الواقعة (3): "وبريطانيا لا يناسبها توحيد العرب تحت راية أصحابها"
عندما أرادت بريطانيا إجراء المصالحة بين ابن سعود وبين الأمير فيصل، وتحقيق الاعتراف المتبادل بينهما، تم لها ذلك بالرغم من حالة العداء الشديد التي سادت بينهما، فتم عقد اجتماع المصالحة بينهما، وهنا من الجدير قراءة ما قال ابن سعود في حديث صريح للأمير فيصل، في تلك الجلسة: "ترانا يا أخ فيصل مالنا ذنب في أخذ عرشكم، فبريطانيا هي التي أرادت ذلك، ولها في ذلك حكمة، لأنكم تعصبتم لتوحيد البلاد تحت رايتكم، وبريطانيا لا يناسبها توحيد العرب تحت راية أصحابها" (ص 102)
// الواقعة (4)- اقتطاع إقليم عربستان
عندما رأت بريطانيا أن شاه إيران حليفًا قويًا غيرت موقفها من الشيخ خزعل، زعيم إقليم عربستان، حيث رأت أن بإمكان الشاه حماية مصالحها النفطية هناك، فتم خطف الأمير خزعل وقُتل في المنفى. لم يحرك ملوك العرب وأمراء الخليج ساكنًا "لنصرة زميلهم الشيخ خزعل. ولم يعترضوا على موقف بريطانيا الذي اقتطع إمارة عربية ورماها في حضن شاه ايران" (ص 103)
// الواقعة (5)- اقتطاع الاسكندرونة
وهي كالرابعة ضم لواء الإسكندرونة السوري إلى تركيا "ولكن حينما تم الضم لم تجد حكومة سوريا، والعرب عامة، وسيلة لاستعادة هذا الجزء العزيز المسلوب من الوطن، إلا لغة العتاب مع حكومة تركيا" (ص 104).
//العودة للجذور
ومن أجل وضع الأمور في نصابها، نقول الأمور أن أعمق من هذه الواقعة أو تلك، ومن أجل فهمهما علينا العودة لنشأة الكيانات العربية، وبالتالي لطرح سؤال بالغ الأهمية، هل يمكن أن تكون هذه الأنظمة، بأي حال من الأحوال، مؤيدة للفلسطينيين، وأن تقف موقف العداء للمخططات الإمبريالية والصهيونية:
* 1. السعودية: لولا بريطانيا لكان ابن سعود مجرد لاجئ
يعود الكاتب إلى جذور تشكيل الكيانات والقيادات العربية، من أجل وضع الأمور في نصابها، لفهم المغزى العميق للسيطرة البريطانية على القرار السياسي العربي، ولنعود مع الكاتب إلى جذور تأسيس المملكة العربية السعودية. ولا مجال هنا لذكر كل المعلومات القيمة الواردة في الكتاب حول الموضوع، فهنالك حاجة لقراءة الكتاب للتزود بمعلومات هامة ومثيرة، ولكننا نضع النقاط الأساسية:
كان عبد العزيز آل سعود- مؤسس المملكة العربية السعودية، في بداية القرن العشرين- لاجئًا في الكويت، بعد انهيار إمارة آل سعود في نجد. وكان يحصل على معونة من حاكم الكويت بقيمة سبعين روبية، فيما كانت الكويت تابعة للمكتب الهندي البريطاني. ويمكن القول أن جذور الحكم السعودي في السعودية يعود لتلك الأيام، حين توافق طموح ابن سعود مع المصلحة البريطانية، فقد "كان لسان حاله يقول: لقد أعطوا الصباح في الكويت فلماذا لا توكل إليه مهمة مماثلة في نجد" (ص 106).
نجح عبد العزيز، عام 1902، وبضربة خاطفة في استرداد الرياض. ولكن الانجليز رفضوا عقد اتفاق مع آل سعود "لأنهم افترضوا أن نجاح ال سعود في استرداد إمارتهم هو مؤقت، وسرعان ما سيطردهم آل رشيد مرة أخرى." (ص 106).
التحول كان مع تعيين وليم هنري شكسبير معتمدًا سياسيًا لبريطانيا في الكويت، وبعد أن زار الأمير عبد العزيز في العام 1913، غداة قيام هذا الأخير بالتحرك واحتلال الهفوف والقطيف وسائر الأحساء. هذا النجاح أدى إلى تحول في السياسة البريطانية وفي تفضيل ابن سعود عن حلفاء آخرين. وفي نهاية العام 1915، تم إبرام معاهدة "دارين" (وهنالك من يسميها معاهدة العقير الأولى) بين المعتمد البريطاني في العراق وبين ابن سعود، حيث "نصت المعاهدة على اعتراف بريطانيا بنجد والأحساء والقطيف والجبيل وتوابعها من أراض وموانئ باعتبارها "بلاد بن سعود وأجداده من قبله" (ص 107).
وتضمنت الاتفاقية تعهدات بريطانية بحماية ابن سعود ومنحه مساعدة مالية بقيمة 20 ألف جنيه إسترليني وألف بندقية. وفي المقابل نصت الاتفاقية على أن لا يقوم ابن سعود بعقد أية اتفاقية أو معاهدة مع أية دولة أجنبية وأن لا يتنازل أو يؤجر أو يملّك من أراضيه لأية دولة أجنية دون موافقة بريطانيا.
بالإضافة إلى المعونة التي حصل عليها والد عبد العزيز، بقيمة 70 روبية، من حاكم الكويت لإعالة عائلته اللاجئة هناك، قامت بريطانيا بتخصيص 5 آلاف جنيه إسترليني راتبًا شهريًا. وكان هنالك تنافس بين الأمراء على الحصول على هذه المساعدة من بريطانيا؛ شريف مكة كان يتلقى معونة مالية أكبر (وهذا يعني أن اعتماد بريطانيا عليه أكبر). وشكا عبد العزيز من هذا الكيل بمكيالين، وقال عبد العزيز إن شريف مكة لم يشن هجمات على تركيا ولم يقف إلى جانب بريطانيا في حربها ضد الإمبراطورية العثمانية.
ولذلك لا يمكننا هنا إلا توضيح عمق العلاقة الوثيقة والغير القابلة للانفصام بين بريطانيا وعبد العزيز، ففي إحدى لقاءاته مع قائد بريطاني قال عبد العزيز: "لولا بريطانيا العظمى لم يكن يعرف أحد أن هنالك شيئًا اسمه عبد العزيز. لولاكم كنت أقيم لاجئًا في الكويت" (ص 114) وفيما بعد كانت هي بريطانيا التي لقبته سلطان نجد. وردًا على ذلك قال "سأبقى مطيعًا منفذًا لما تريدون" (ص 114). وطبيعة العلاقة مع بريطانيا كشفت مدى خضوعه للسياسة البريطانية، فقد كان "الضابط، أو الملحق البريطاني في السفارة يبعث لعبد العزيز بإشارة- أمر- بالمثول للقاء في منطقة معينة، فيمتثل دون أن تبدر منه إشارة احتجاج" (ص 115).
// مفارقات عربية: الانجليز يقدمون الجزية لعبد العزيز
يقول الكاتب أنه بتوجيه من بريطانيا تحالف عبد العزيز مع الحركة الوهابية، المتشددة دينيًا. وبسبب تحالفه مع الحركة الوهابية وفي إطار حشده للإخوان الذين اعتمد عليهم في شن هجماته على خصومه، عمل على تكفير خصومه. ولكن معرفة الإخوان بالمساعدات المالية من الكفار، باعتبارها كفرًا، كانت من الممكن أن تسبب له المشاكل، "فلم يكن أمام عبد العزيز سوى استخراج "فتوى تحلل تسلم المساعدة- الإخوان لم يكن لهم اعتراض على قسم من المساعدات العسكرية"، وهكذا.."الأمير، وردًا على تساؤلات قادة الإخوان، لم ينكر أنه يتسلم أموال من بريطانيا، ولكنه زعم أن هذه الأموال ما هي إلا جزية يدفعها أهل الذمة هؤلاء" (ص 111).
ويورد الكاتب حدثًا طريفا شكلاً، ومأساويًا مضمونًا، "يقول ديلي، مساعد كوكس: بينما كنت أقد للسلطان العزيز على قلوبنا.. قطم من أكياس الذهب والريالات.. رأى عبد العزيز مجموعة من البدو في مجلسه يتغامزون ضده.. وتساءل أحدهم: " ما هذه البضاعة التي ستدفعها يا عبد العزيز مقابل هذه الدراهم التي ستقبضها من الكفار الانجليز"، فاستبقهم عبد العزيز وقال للبدو الحاضرين: "يا الاخوان المسلمين، اتركونا من هالتغامز وعاونوا هذا الانجليزي الكافر على حمل الدراهم التي جاء بها ليدفعها جزية للمسلمين ولإمام المسلمين من الكفار الانجليز. لقد أرسل لنا الكفار جزيتهم. ماذا نفعل؟ هل أخذ الجزية من الكافر حلال وإلا حرام يا مشايخ الدين؟". قال المشايخ "بل هي حلال وأحلى من الكمي – الكمي فطر ينبت في الصحراء شهي المذاق".. ويضيف مستر ديلين عن عبد العزيز إنه "أعز واصدق وأذكى صديق أمي عرفته بريطانيا". (ص111-112)
ويستمر إصدار الفتاوى لتحليل التعاون مع بريطانيا وفيما بعد أمريكا.."وعندما طُلب من الأمير السعودي التهديد بقطع البترول قال الأمير: "الأمريكيون من أهل الذمة، وأن حمايتهم وحماية مصالحهم منصوص عليها في القرآن الكريم". (ص 143).. ولم يتم الاكتفاء بهذا القول، "بل أصدر علماء الدين فتوى تحرم قطع البترول، لأنه ذهب اسود وقطعه يعني تخزينه في باطن الأرض، والله تعالى نهى عن كنز الذهب والفضة" (ص 146).
*2. شرق الأردن
"الأسرة الهاشمية، بدءًا بالشريف حسن ، اتخذت مواقف مرنة، غير معارضة في جوهرها لمسألة الهجرة وتوطين اليهود في فلسطين" (ص 146). وفي العام 1918 أوعز الشريف حسين بنشر مقال في الجريدة الرسمية الناطقة باسمه في مكة، دعا فيه السكان العرب "أن يتذكروا أن كتبهم المقدسة وتقاليدهم توصيهم بواجبات الضيافة وتحضهم على أن يرحبوا بإخوانهم اليهود" (ص 147). تغيير هذا الموقف جاء ردًا على نكث بريطانيا لوعدها بتتويجه ملكًا على دولة آسيا العربية. فيما بعد جاء دور ابنه الأمير عبد الله الذي كان بمثابة "مهندس الاتصالات بين والده وبين الإدارة البريطانية في القاهرةـ عانى من الهزيمة المدوية التي ألحقتها بها قوات عبد العزيز في موقعة "تِربة"، حيث خرج سالمًا بمعجزة." (ص 147)
تبدأ رحلة الأمير عبد الله للحصول على موطئ قدم في المنطقة. كان أخوه فيصل قد تم تعيينه ملكًا على العراق، بعد أن خلعه الفرنسيون عن منصب الملك في سوريا. وبدأ الانجليز يفتشون له عن منصب. وحسب الكتاب، تقول ماري ولسون: "كان بقاء عبد الله بدون منصب مشكلة.. وكان مستقبل شرقي الأردن مشكلة.. وقررت لندن أن تحل المشكلتين معًا. حسمت بريطانيا الوضع القانوني لشرق الأردن، حين افترضت أن شرق الأردن لم يكن إلا جزءًا من منطقة انتدابها لفلسطين، ثم قررت أن يتم استبعادها من وعد بلفور" (ص 147-148).
ويقتبس الكتاب ما يقوله يوسي ميمان ودان رفيف: "لا شك أن الأردن كدولة قومية هي كيان اصطناعي كان هدفه خدمة مصالح عاملين: دولة عظمى من جهة ومحارب متجول باحث عن عرش من جهة أخرى" (ص 148).
وفيما بعد تم إعلان تولية الأمير عبد الله على شرقي الأردن في العام 1921، وقررت بريطانيا تخصيص راتب شهري مقداره 5000 جنيه. وعينت ألبرت ابراماسون- وهو صهيوني- ضابطًا سياسيًا رئيسيًا، يعمل مفوض ارتباط بين المندوب السامي في القدس وبين الأمير عبد الله".
المهم، كما يشرح لنا الكاتب، أنه بالرغم من حصوله على إمارة شرقي الأردن فقد بقي الأمير عبد الله يشعر بالغبن "وظل يحلم بأن يعتلي عرشًا يضم سوريا الكبرى والأردن وأجزاء من فلسطين.... أدرك عبد الله، ومن البداية، أن تحقيق طموحه لا بد أن يعتمد على سندين معًا، هما قوة بريطانيا وقوة الحركة الصهيونية" (ص 151). ولهذا عمل على إقناع بريطانيا والحركة الصهيونية بالفائدة التي ستعود عليهما من تنفيذ مشروعه، أي السيطرة على سوريا الكبرى.
وخلال ذلك لم تنقطع محاولات عبد الله لتقويض سلطة عبد العزيز في الرياض، فقام بتحريض قبائل شمال الحجاز، وفشلت الحركة، الأمر الذي أثار غضب بريطانيا عليه، وتضعضعت مكانة الأمير وكان ذلك عاملاً إضافيًا لتعاون الأمير عبد الله مع الوكالة اليهودية.
ومن جهة أخرى فقد اهتمت الحركة الصهيونية، بالملك عبد الله، ومن مؤشرات هذا الاهتمام أنها أمنت له ولأسرته الأطباء من تل أبيب. ومد أعضاء الكيبوتسات، يد المساعدة في إعادة بناء عمان والسلط بعد زلزال 1927.
بموجب ميلمان ورفيف فإن العلاقة بين عبد الله والحركة الصهيونية بدأت في العام 1922، حين التقى الأمير عبد الله حاييم وايزمان في لندن، وتباحثا إمكانيات التعاون بينهما. (ص 153).
التعاون مع الحركة الصهيونية كان نتاج قناعة الأمير عبد الله، بأن هنالك أهمية للتوصل لاتفاق مع الحركة الصهيونية لتحقيق هدفين: الأول هو الحصول على الضفة الغربية والثانية فرض سيطرته على شرقي الأردن، وبدون هذه المساعدة، لن يكون بإمكانه تحقيق ذلك. "عبد الله قدر جيدًا قوة اليهود، واعترف بمصلحتهم العليا، وهي الصراع ضد الحركة الوطنية الفلسطينية" (ص 154).
وفي الكتاب أمثلة عديدة عن هذا الاعتراف وتطبيقه على أرض الواقع، من خلال اللقاءات المشتركة بين الأمير عبد الله أو ممثليه وبين ممثلي الحركة الصهيونية.
وبينما كان القادة العرب "غارقين" في الوساطة مع بريطانيا لوقف إضراب الـ36، كان الأمير عبد الله في اجتماعات مستمرة مع القيادة الصهيونية حيث "عرض الملك عبد الله.. استعداده لاستقبال مهاجرين يهود في شرق الأردن" (ص 157) في أيار وفي تموز العام 1936 (أي في أوج الإضراب- ع.ب).
وبعد نجاح الملوك والقادة العرب في وقف إضراب الـ 36، "ردت الوكالة اليهودية بإبداء الشكر والامتنان للأمير" (ص 159). ومن مؤشرات التعاون الوثيق مع بريطانيا، حسب أهارون كوهين، فقد تضمنت مطالب الأمير عبد الله من بريطانيا "بتغطية مصاريف الوفد الأردني إلى مؤتمر البرلمانيين العرب الذي سيعقد في آخر آب 1938، لكون ذلك الوفد "سيقول ما يجب أن يقال" (ص 162). ويقول د. سليمان بشير "كما قام الأمير عبد الله بإقالة حاكمي لواءي عجلون وإربد، بسبب ميولهما للمفتي وللإرهابيين" (ص 163)
// لماذا رفض البريطانيون الصفقة؟
في الكتاب معلومات مثيرة، وحتى مذهلة، حول النشاط الصهيوني في شرقي الأردن، والاستعداد من قبل أوساط أردنية جدية في شرقي الأردن لتأجير وحتى تمليك أراضي للحركة الصهيونية. ويتحدث الكاتب عن صفقة واحدة قد تمت: "وأخيرًا أثمرت الاتصالات في تأجير أراضي غور الكبد البالغة مساحتها 70 ألف دونم للوكالة اليهودية، ولمدة 33 عامًا القابلة للتجديد مرتين مقابل ألفي جنيه فلسطيني في السنة".
يعزو الكاتب سبب وصول هذه المفاوضات إلى الفشل، هو أن الاستعمار البريطاني رفض ذلك، فقد عارض المندوب السامي كوكس الاتفاقية. وهنالك مكان لبحث عميق في هذه النقطة، وبرأيي أنها نقطة بالغة الأهمية. فهل تخطت القيادة الصهيونية ما سمح لها به الاستعمار؟ فهنا نرى هنا وبجلاء تورط بريطانيا في دقائق المؤامرة على الشعب الفلسطيني، حيث تتصرف كصاحبة المشروع وبالتالي عندما تسير الأمور ليس بموجب خططها، أو حينما يحصل تناقض في المصالح، فبريطانيا قادرة على إرغام الحركة الصهيونية على التراجع، كما حدث في قضية تملك الأراضي في شرقي الأردن.
// العالم العربي وحساباته:
ولأن القضية الفلسطينية، ارتبطت بالتحركات داخل العالم العربي فمن المهم أن نعرف حال العالم العربي، فعدا عن كونه يرزخ تحت تأثير الاستعمار، فقد عانى من تناقضات داخلية هائلة، وينقل الكاتب عن نمر الهواري حديثه عن وضع الدول العربية والخصومات بينها وعن حساباتها البعيدة عن مصلحة فلسطين.
"مصر في الجامعة (العربية- ع.ب) تريد احتكار الزعامة" (ص 225).
الأردن والسعودية بالرغم من الكلمات الطيبة في صراع مرير: "لا السعوديون يرغبون في بقاء عبد الله ولا الهاشميون راضون عن بقاء عبد العزيز" (ص 226).
الصراع ما بين الأردن وسوريا: "فهذا عبد الله يريد أن يبلع سوريا وتلك تصرخ: لن أكون لقمة سائغة لرعيان الأردن وأجلاف الصحراء" (ص 226)
والعراق الذي يتأرجح بين سياستين: "سياسة الدم والقربى لشرق الأردن، وسياسة العبودية والخنوع للأسد البريطاني" (ص 226).
ويخلص الكاتب للقول: "ولذلك دخلت مصر ودخل السعوديون والسوريون فلسطين.. لا لتحرير أرضها.. بل للحيلولة دون توسع عبد الله".. بينما "دخلت العراق وشرق الأردن لا لقمع الإرهاب ونجدة العرب، بل لقهرهم ودحرهم وضمهم قسر إرادتهم إلى أحضانهم وديارهم" (ص 226).
// أمثلة من أرض "المعركة"
وخلال معركة "تحرير" فلسطين يورد الكاتب حادثتين تثيران التساؤل حول مغزى هذا التدخل العربي، من جهة ومن جهة تثير التساؤل بشأن "الود" الذي حمله الأشقاء العرب لبعضهم البعض، ولنقرأ:
1- الجيش الأردني لم يفزع للجيش المصري في الفالوجة
"وقبل ذلك كانت القوات الإسرائيلية، وفي تشرين الثاني وكانون أول 1948، قد شنت هجومًا كاسحًا على القوات المصرية، نجم عنه اختراقها إلى النقب، وتطويق ومحاصرة هذه القوات في الفالوجة وعراق سويدان.. القوات الأردنية كانت على مقربة منها في محافظة الخليل، وحسب تقديرات العسكريين كان تدخلها يمكن أن يفك الطوق عن القوات المصرية المحاصرة في الفالوجة.. ولكنها لم تفعل. وعديد من المصادر أكدت أن القيادة الأردنية أخذت موقف التشفي مما حدث للقوات المصرية، وأن الملك عبد الله طلب مباشرة من الزعامة الإسرائيلية احتلال غزة وطرد المصريين منها" (ص 389)
2- المؤامرة على الجيش العراقي
خلال التواجد العسكري العراقي في فلسطين، يتحدث الكتاب عن تحول مفاجئ في الموقف العراقي في مسألة تفويض الأردن للتفاوض مع الإسرائيليين في رودوس. في البدء رفض العراق منح التفويض ولكن في 1949/3/26، وصل الأردن، بشكل مفاجئ، وفد عراقي رفيع المستوى، حيث أبلغ الوفد "الملك وتوفيق أبو الهدى (رئيس الوزراء الأردني آنذاك) رغبة العراق الملحة في سحب الجيش العراقي فورًا" (ص396)، وفي هذا الاجتماع تم تفويض الحكومة الأردنية، لاتخاذ أية خطوة تتعلق في المثلث.
يقول الكاتب أن أسباب التحول العراقي انكشفت فيما بعد، فماذا حدث في هذه الأيام الحاسمة؟ ""بدّل العراق موقفه بعد إطلاعه على مؤامرة بين إسرائيل والملك عبد الله تقضي بتطويق الجيش العراقي وتدميره" (ص 396)
الكتاب يتحدث عن رسالة للملك عبد الله من ساسون، مندوب الوكالة الصهيونية الذي تولى مهمة الاتصال بالملك، في أواسط آذار 1949، وفي الرسالة تفصيل خطة لتطويق الجيش العراقي في المثلث "في اليوم الذي تعينوه جلالتكم" (ص 396)، وفي الكتاب شرح عن هذه الخطة، حيث يتم حشد القوات الإسرائيلية في غور بيسان، ومن هناك تزحف إلى الجفتلك... وفي المقابل تمنع "حكومة شرق الأردن الجيش العراقي من الانسحاب عن طريق رام الله القدس أريحا" (ص 397).. وللتمويه تنص الخطة على أنه "لا بأس من أن تقع مناوشات بين القوات الأردنية والقوات الإسرائيلية للتغطية" (ص 397).. يتحدث الكاتب أن الرسالة هذه تسربت، وفعلت مفعولها، ويظهر أن هذا هو الدافع للخروج المهرول للعراقيين من المثلث.
