*إلى روح المرحوم أبي السعيد سالم جبران طيّب الله ثراه*
المرحوم كان مناضلا عنيدا لا يجامل ولا يوارب، رحمه الله عرفته مثقفًا صاحب أخلاق حميدة لا يحيد قيد أنملة عن الحق والعدالة، شهدت له صولات وجولات في الدفاع عن المبادئ والأخلاق الثورية التي نشأ وترعرع عليها.
عند الألمان مثل مفاده - الفقر هو الحاسة السادسة – قال احد الحكماء ليست كل مصيبة لعنة فكثيرًا ما يكون الفقر في أول العمر خيرًا وبركة، ان الأكواخ منابت العباقرة، صحيح ان المرحوم انحدر من عائلة ليست ميسورة الحال في قرية البقيعة الجليلية، تذكّرني قصائده بالزعتر كما قلت له في أكثر من مناسبة.
الشاعر الوطني المثقف أممي في أفكاره حتى النخاع، في محاضراته في سنوات التسعين الأخيرة أمام المعلمين العرب واليهود كم تجلت امميته أمام ناظري بوضوح ناصع، عندما خاطب الطلاب الأساتذة شممت فيه روحين روح العزة القومية وروح نبذ التعصب والترفع البغيض ولقد شهد شاهد من أهله.
في احدى الصدف شاءت الأقدار ان سافر فجأة إلى خارج البلاد وكان عليه ان يحاضر في، لوحمي هجيتئوت، أمام الطلاب الثانويين اليهود عن مجزرة كفرقاسم وانتدبني عندها ان أقوم أنا نفسي بهذه المهمة واخبر المسؤولين بذلك، وكم وجدت نفسي في حيرة من أمري إذ وجدت هؤلاء الطلاب لم يسمعوا عن ذلك لا في مدارسهم ولا في بيوتهم ولاموا عندها أساتذتهم الحاضرين معهم آنذاك.
عندها عرفت كم كانت مسؤولية المرحوم جسيمة في التوعية لإيصال صوت الحقيقة إلى شعبي هذه الديار فهي مهمة أخلاقية ونضالية في آن معًا.
الأديب المرتحل عنا درس في مدرسة يني الثانوية في كفرياسيف وكان مع شاعر فلسطين محمود درويش في نفس الصف.
كنت اصغر منهما ولكن كغيري من طلاب ذاك الوقت كانت الكتب نادرة والحياة تكاد تخلو مما يتمتع به أبناؤنا اليوم. كانا يتنافسان في المهرجانات التي كانت تعقد يومها في النادي الثقافي الرياضي بإدارة المغفور له حنا دلة أبي خالد وكنت أطير فرحًا عندما استمع إلى محمود وسالم في قصائدهما الوطنية كـ"سجل أنا عربي" والرومانسية.
لم يكن مترددًا أبدا في رأيه السياسي أو الوطني ولا متلعثمًا فيصحّ فيه قول الشاعر:
إذا كنت ذا رأي فكن فيه مقدمًا فان فساد الرأي ان تترددا
في قصيدته لن اغني من ديوانه، كلمات من القلب، يقول:
في مهجتي، مأساة شعب طيب
أودت به ريح سموم
أنا لن اغني
كان يقول في القائمة السوداء
وطني ملكي
أبقاه لي أجدادي
وسأبقيه للأبناء
حر فيه أنا... أتجول كيف أشاء.
لقد زارني في بيتي في كفرياسيف عندما توفي أستاذنا المرحوم نمر توما أبو فؤاد رحمه الله وكان وفيًا لهذه البلدة العزيزة على قلبه، وكان يتذكر أيام الشباب المبكر التي قضاها في حواريها وبين أزقتها وفي بيوتها إذ كانت له ذكريات عزيزة على قلبه أيام الصبا.
فارس الكلمة يترجل، الرجل الفصيح المناضل الاممي الثابت في آرائه الذي إذا قال اقنع حتى خصومه وحتى إذا حاضر بالعبرية اقنع سامعيه وحتى معارضيه.
رحم الله أبا السعيد واسكنه فسيح جناته مع الخالدين.
(مدير مدرسة يني السابق)
