الجماهير العربية في إسرائيل تجاوز عددها المليون ونصف المليون مواطن عربي فلسطيني تقريبا، وهي صاحبة الحق في الأرض والوطن، وهي جزء لا يتجزأ وجذر حي وقوي ونشيط فعال ومؤثر ومكون وحاسم في المعركة من اجل السلام العادل والمساواة، في مركزه إنهاء الاحتلال، الذي طال رحيله عن الأرض الفلسطينية والعربية. هذه الجماهير، بل هذا الشعب الحي الممتد في عمق الوطن الفلسطيني يعيش هذه الأيام والسنوات الأخيرة حالة من جس النبض السياسي ومحاولات تفتيت صفوفه وتمزيقه لغرض الانقضاض عليه في الساعة الحاسمة والمؤاتية.
المؤسسة الصهيونية الحاكمة، ودوائر أجهزتها الأمنية، تعمل ليلا ونهارا على تفسيخ وحدة هذه الجماهير للنيل من صمودها وهدر كرامتها، عبر اللجوء إلى محاولات التصيد من قلب هذه الجماهير، عبر برامج وأساليب خبيثة تعليمية بدمج المواطنين العرب في الأجهزة والدوائر الحكومية، من خلال التجنيد في صفوف الجيش والشرطة والأذرع الأمنية، أو من خلال تأدية الخدمة المدنية والإجبارية للحصول على تسهيلات اقتصادية واجتماعية وتعليمية واستثمارية وغيرها. المؤسسة الحاكمة إياها تعمل من خلال محاولات زرع الأحقاد والتفرقة بين أبناء الشعب الواحد. فهي تتكلم وتتحدث فعليًا بلغة طائفية تهدف إلى فصل المسيحيين عن عروبتهم وقوميتهم وشعبهم الفلسطيني.
ولهذا تهدف المؤسسة الحاكمة في إسرائيل السياسية والبرلمانية والقضائية ومن خلال الحكومة الحالية والتي وضعت نُصب عينها هدفا مركزيا الا وهو ضرب كفاح الجماهير العربية من الداخل، في محاولة لتقزيم وتهميش هذه الجماهير، هذه السياسة لم تغب ولا مرة عن طاولة واضعي السياسة العنصرية والاضطهادية القمعية في إسرائيل طيلة الـ 66 عامًا الماضية من عمر هذه الدولة التي أقيمت على أنقاض شعب آخر هو الشعب العربي الفلسطيني الذي شُرد من أرضه ووطنه، ويعيش الآن في مواقع اللجوء القسري المنتشرة في هذا العالم.
الجماهير العربية الباقية في وطنها بكل مؤسساتها وأطرها الوطنية وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا المتفق عليها سابقًا، قطعت شوطًا كبيرًا بدعم أصحاب الخبرة والتجربة في تثبيت الهوية القومية للمواطن في أرضه، والانتقال به إلى مرحلة الصمود والبناء والتطور والازدهار في كل نواحي الحياة. لكن المعركة الآن وفي هذه الأيام بالذات تجري على مكانة الجماهير العربية ورؤية المستقبل كلما اقترب الإسرائيليون من استحقاقات عملية السلام العادل، يحاولون تقويض وتهميش هذا الجزء الأصيل من الشعب الفلسطيني في محاولة إذابة الهويتين الوطنية والقومية. ان المستقبل الباهت نتيجة لمحاولات التهميش السلطوية وتعدد الأدوار وكثرة الواجبات والمهام الوطنية والقومية الملقاة على صدر هذه الجماهير، يتطلب من القيادة الحالية في لجنة المتابعة العليا ان تتحمل مسؤولياتها بأسرع ما يمكن. هذه المهام الجسيمة في ظل الهجوم على قتل وشطب الحقوق اليومية والقومية ومحاولات الضرب والتفسيخ والنيل من صدر هذه الجماهير، تستدعي من رئيس وقيادة لجنة المتابعة المؤلفة من النسيج السياسي الممتد بين فئات الجماهير العربية، ولو ان بعض هذا النسيج هو مجرد أسماء ومُسميات لأحزاب تسبح في خيال الخارطة السياسية للجماهير العربية، الا ان الأمر يتطلب إعادة النظر في المكونات والبرامج والأهداف والآليات والبيئة التنظيمية والإدارية للجنة المتابعة بما يتناسب مع المرحلة الجديدة من تاريخ وتطور هذه الجماهير للارتقاء إلى مرحلة الحريات السياسية التي تستهدف كل الجماهير العربية ومسيرتها التاريخية القومية منذ نكبة الشعب الفلسطيني ولغاية الآن.
إن اخطر ما تواجهه هذه الجماهير في ظل حكومة اليمين المتطرف، هو ليس إخراج الكلام من الجارور في مرحلة السر إلى الملأ فحسب وإنما الكشف عن مخططات ودوافع لتنفيذ ما يفكرون ويصرحون به سواء مسألة التجنيد لهذه الطائفة أو تلك، وإنما التعامل مع الجماهير العربية ليس من منطلق وحدة وحقوق قومية ووطنية، بل من منطلقات وتقسيمات طائفية وعشائرية، وهذا النمط من التقسيم هو اخطر ما يكون في ظل اشتداد الهجمة الشرسة سواء على أراضي وأهل النقب، والاستمرار في تكملة مشروع تهويد الجليل، يضاف لذلك حالة العنف والجريمة التي تجتاح مجمل المجتمع العربي منذ فترة ليست قصيرة، فالانتخابات العامة للسلطات المحلية والبلديات كشفت عن هشاشة الوحدة والتلاحم بين هذه الجماهير في مواجهة سياسة الحكومة. فبدل تسييس المعركة ضد العدو وهو سياسة الاضطهاد والتمييز، رأينا ابتعاد الأحزاب السياسية من الساحة البلدية والقروية وفسح المجال في خفض منسوب الوعي السياسي والاجتماعي وفتح الباب على مصراعيه لدخول طاعون الأنا والعائلية والعشائرية والطائفية والحاراتية.
ما يدور اليوم في لجنة المتابعة العليا، التي نعتبرها بمثابة الممثل والبرلمان الشعبي غير المنتخب لأكثر من مليون فلسطيني يعيشون فوق تراب وطنهم، يدل على ان منسوب الضعف ليس انه واضح على المستوى الشخصي والقيادة. ان تراكم الكثير من السلبيات والمواقف وهبوط مستوى الجاهزية في التبعية الجماهيرية لمواجهة المرحلة الحالية والتعامل مع المستجدات بنوع من البرودة السياسية والاستخفاف وعدم رفع درجة الأداء في الدفاع وتجنيد الجماهير للرد ورفض هذه السياسة ومروِّجيها في المجتمع العربي، إذ لا يمكن النضال والوقوف أمام طاعون السلطة من خلال التجند لمدار صحفي أو مقابلة إعلامية. ولا من خلال أسلوب المخترة والوصاية ولا من خلال مغازلة فئة على حساب المجموع. منذ أشهر والصحف الأسبوعية والشارع العربي عامة منشغلان في مسألة الوريث الشرعي، من سيخلف الرئيس الحالي للمتابعة. السيد محمد زيدان من جانبه لم يحسم أمره هو الآخر تاركًا الباب مفتوحًا أمام حالة من التخبط على ما يبدو ما بين الأحزاب المكونة، وبين القبول كحل وسط في الوقت الذي يتطلب من الأخ أبو فيصل محمد زيدان ان يخرج في طلب إعفائه بشكل صريح وبدون تأتأة وتلكؤ، وان تتوفر الجرأة في شخصه بعد التشاور الجماعي مع الأجسام السياسية الفاعلة في الشارع العربي ولها التمثيل البرلماني والشعبي للتوصل إلى شخصية توافقية ذات مقدرة وقدرة علمية ومهنية وعملية منفتحة على مجمل قطاعات شعبنا. هذه الشخصية الوطنية مجربة ومتعمدة في الممارسة والحنكة والنضال السياسي تستطيع ان تلاطم مخرز السلطة وأحزابها الصهيونية وماكينة إعلامها، لا ان تكون قطبية في يد أجندة معينة.
الحزب الشيوعي والجبهة هما الجسم السياسي الوحيد الممتد ما قبل قيام الدولة بكثير، واللذان يملكان من الخبرة الكفاحية أرشيفًا كاملا وقدرة على قراءة الخارطة جيدًا وهما عنوان للنصر في الاستبسال في الدفاع وتثبيت الحق الفلسطيني والعربي في هذه البلاد، فالحزب الشيوعي والجبهة هما الأكثر امتدادًا وعمرًا وتجربة نضالية تمتد لأكثر من 100 عام من الكفاح في مقارعة الاستعمار والامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، فالأجدر بالأخ أبو فيصل محمد زيدان ان يوصي ويخرج للعلن متوجها إلى الحزب الشيوعي والجبهة بطلب تحمّل الواجب الوطني في إسناد مهمة قيادة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية لأصحاب التاريخ الشيوعيين الوطنيين وان يوصي بذلك أمام هيئات واطر لجنة المتابعة.
فنظر جماهيرنا للجنة المتابعة ودورها الكبير في تحمل المسؤولية كعنوان سياسي ورمز وطني وإطار موحد ومجمع تنطوي تحت لوائها الأغلبية الساحقة من المواطنين العرب في المعركة القائمة بين حكام هذه البلاد الجدد وبين أهل البلاد الأصليين والمتجذرين فيها وتحتها منذ مئات السنين، ولذا يقتضي الواجب الوطني ضبط عمل المتابعة بما ينسجم مع أهداف ومتطلبات المرحلة الحالية، في التصدي وكسر السياسة الحكومية الصهيونية، التي تحاول النيل من بقاء وصمود جماهيرنا العربية على أرضها ووطنها، ولهذا فالأغلبية الساحقة من جماهيرنا العربية معنية أكثر من أي وقت مضى بجدولة أسس الكفاح ورفع سقف متطلبات المعركة السياسية لتثبيت الحق والسعي للاعتراف بنا كأقلية قومية عربية فلسطينية تعيش على ارض آبائها وأجدادها في دولة إسرائيل، ومن اجل ذلك فالمطلوب الآن تشديد النضال والكفاح الجماهيري على أي حكومة سواء من اليمين واليسار قد تشكل في المستقبل على ان تأخذ بعين الاعتبار الوضعية القومية والوطنية والسكانية لهذه الجماهير مع الحقوق كافة في الحرية والمساواة والديمقراطية والتطور الحر والحق الكامل في استخدام ثرواتها من أراض وممتلكات وغيرها لصالح هذه الجماهير.
إننا ننشد كأفراد ومجموعات وكجماهير ان تكون لدينا قيادة مجربة ولجنة متابعة مكافحة نشيطة مثابرة وحاسمة تقف في خندق المواجهة مع الشعب للدفاع عن قضاياه اليومية والقومية والوطنية في مواجهة سياسات حكام إسرائيل والحركة الصهيونية.
(كويكات /أبوسنان)
