المجتمع العربي هو حقًا مثل المرأة العربية المعنفة

single

عجبي.. رصاص مسروق من اسرائيليين يهود يقتل أرواحا عربية في كل بلد، نغضب ونسخط قليلًا نجتمع ونتضامن ونفض مجالسنا بقرارات هزيلة.
رصاص اسرائيلي مرخص يقتل عربيا واحدا، ننتفض، نضرب، نتظاهر ونعتصم نخطب بالمساجد ولا نتنازل.
رصاصات كثيرة تقتل عشرات النساء العربيات ولا نفعل أيًا من هذا وذاك.
لا أملك الجرأة في هذه الأيام العصيبة ان اتحدث حتى عن قتل النساء والكم الهائل من النفاق الوطنجي الذي "يحوفنا" حين يقتل رجل مقارنة بقتل امرأة.
 لاني ادرك طبعًا اني سوف اتهَم بخلط الحابل بالنابل، وبث الفتنة والخلاف في لحظات تجلٍّ نادرة الوجود من وحدة الصف الفلسطيني في الداخل، وتدمير لحظاتنا المفصلية في معركة الوجود بترهات نسوية وخزعبلات حول مجتمع ذكوري أبوي وغيره.
 حسنًا، قررت ان أرحمكم يا رجال هذا البلد وقيادته الباسلة من الاحراج والمساءلة حول التمييز بين دم انثى ودم رجل، سنجد الوقت الكافي مستقبلًا.
ولكني حاولت مرارًا وتكرارًا ان افهم واحْلُل طبيعة علاقتنا كمجتمع عربي في داخل دولة اسرائيل مع أجهزة السلطة واذرعها التنفيذية عامة وخاصة مع الشرطة.
عشرون عامًا قضيتها اسمع قصص العنف والتعنيف في هذا المجتمع،اطفالًا وشبابا ونساء ورجالا ايضًا ذاقوا طعم الضرب واللطم والظلم.
ولكن حصتي في الموضوع هي من النساء والفتيات ومن خلالهن احاول ان افهم، ودائما في اليوم الذي تبدأ به الكدمات باكتساب اللون الأزرق، وتهدأ النفوس قليلا يأتي السؤال :ماذا سنفعل الآن؟ لمن نلجأ لكي لا يستمر العنف هكذا.
 خلصت اليوم الى أن المجتمع العربي هو حقًا مثل المرأة العربية المعنفة. وكلما تعمقت بالمقارنة اضحك وأخشى من شدة التشابه.
فنحن كمجتمع يدندن ليل نهار "أقلية قومية مستضعفة" ولكننا أصحاب الحق وأصحاب البيت، رغم موازين القوى والسلطة.
كذلك المرأة فهي "إمرأة مستضعفة" أمام رجل قوي ومتسلط يتصرف انه الحاكم الآمر الناهي في البيت،أما هي فوجدت لتخدم وتبقي البيت جاهزًا ومريحًا للسيد.
من غيرها لا يوجد بيت، ولكنها يجب ان تبقى مجموعة محكومة وتحت السيطرة وحذار حذار من حديث المساواة هذا!.
نحن أيضا كأقلية عربية فلسطينية بين أغلبية يهودية اسرائيلية غاضبة، نحمل اسم المواطنة (اسم الزوج) ولكننا لسنا شركاء حقًا ولم نُسْأَل أساسًا هل نريد هذا الارتباط؟ فالرجل (إسرائيل) عليه ان يبقيها تحت السيطرة بكل الوسائل،ومنها العنف إذا لزم لتبقى الديمقراطية المفصلة يهوديًا آمنة ومحفوظة.
هل تتخيلون ذاك الرجل العنيف الذي يجلس في صالون بيت حمية محاولًا إصلاح زوجته بعد ضربها: "انا اعطيها كل ما تريد، مأكل، ملبس، بيت، نخرج ونسافر، وحتى سمحت لها ان تتعلم، ولكني أفقد أعصابي عندما تتحداني؟".
وهكذا هي اسرائيل معنا "تأكلون، وتشربون، تسافرون، تتعلمون وتعملون لدينا حتى سمحنا لكم بالتصويت، ولكن عندما تتحدثون عن الحقوق والمساواة وتتحدون سلطتنا، لا نستطيع السيطرة على سلاحنا".
من المفارقات الرهيبة في موقفنا هذا بعد استشهاد الشاب محمد طه من كفر قاسم ان المفتش العام للشرطة اسمه الحقيقي "الشيخ" فحضر مهرولًا لكفر قاسم لتهدئة النفوس وامتصاص الغضب واحتواء الأزمة. وجلس مع الرجال والأكابر ليتفقوا ماذا هم فاعلون تاركين كفر قاسم تبكي حزينة وتلملم جراحها خارج المجلس الموقر.
هناك في غرفة النوم تبكي المرأة المضروبة المنكوبة بحياتها بينما يتفق "الشيخ الحقيقي" مع الرجال والوجهاء حول الحلول.
 أليس هذا ما يحدث فعلًا في مثل هذه المواقف؟
إن مسلسل حياة كل امرأة تتعرض للضرب والقمع بأشكاله لا يختلف كثيرًا عن مسلسل تعاملنا مع قضية العنف كمجتمع، ومواجهتنا لمنظومة القوى والمصالح التبعية والسلطة، وقد وصلنا الآن لمرحلة "لازم تتشكي عليه، بينفعش يعمل فيكي هيك".
 نحن ندرك أن الشرطة هي الجهة التي تملك النفوذ والقدرات والعتاد لمواجهة العنف المسلح.
وندرك ايضًا ان لجوءنا لها هو اعتراف بها كسلطة وحيدة ومخولة لحل المشكلة. ونعاني من مغص شديد بمجرد التفكير بالموضوع، ونحاول تهدئة المعاناة بحديث المواطنة ونحن ندفع الضرائب ويحق لنا العيش بأمان، وكل هذا ما هو إلا عبارة عن مسكنات للألم وهي مهمة جدًا للبقاء في الساحة.
فكل ضحية عنف عندما تلجأ "للقوامين عليها" من الرجال المشايخ ولجان الصلح وغيرهم، تعلم ان الرجعة بعد تلك الخطوة للمطالبة الحقيقية بحقوقها على حياتها وتقرير مستقبلها سيكون مهمة صعبة جدًا، ونضالها للحرية سيسلب منها حتمًا وإذا تعاونت مع المنظومة الرجولية هذه لتحديد مصيرها، فإنها تثبت تاج السلطة على رأس الرجال بمسامير ذلها وقمعها وترجع هذه الخطوة كل خطاب المساواة والعدل بين المرأة والرجل الى رفوف كتب النهضة الفكرية والنسوية، متناسية ان القمع والعنف جاءا أصلًا من نفس المنظومة الذكورية التي تلبس عباءة "إصلاح ذات البين" حاليًا.
وكذلك هو حالنا نحن، ندق ابواب الشرطة لطلب المساعدة في مواجهة العنف، ونعلم في قرارة أنفسنا ان الشرطة هي عباءة خفيفة تغطي عورات جسم قوي وجسور قامع ومضطهد سلبنا أرضنا ووطننا، ولكننا لا نملك أمامه لا حول ولا قوة.
فنضطر للتعامل معه، وتقبل حكمه علينا، إن انتفاضة المجتمع العربي امام جهاز الشرطة ستفشل اذا لم نعرف ما هي مطالبنا الأساسية إذا تنازلنا عنها سندفع الثمن.
 المصيبة ان يكون "الشيخ " الذي نلجأ له لا يُؤْمِن بحقوق النساء فعندما تصل المرأة الى ابوابه للمطالبة بالحماية والمساعدة يسألها "لمذا خرجت من بيتك يا بنيتي؟، ان بيتك هو جنتك حافظي عليها، هل زوجك يعلم انك هنا؟"

فما دامت شرطة اسرائيل لا تؤمن فعلا اننا مواطنون، وان لنا حقا بالامن والأمان في الحيز العام والخاص، أننا نناضل من اجل العدل والمساواة الحقيقية فسيكون ردة فعلها مثل اي رجل يحاول تعديل امرأة لتناسب زوجها او اخاها او اباها ويحل السلام الاسري ارجاء البيت.
المجتمع الإسرائيلي يريدنا مطيعين وخنوعين نعمل نطبخ ننام نتكاثر بحدود المعقول ومن المفضل الا نفتح أفواهنا.
ان بلبلة الشرطة امام مطالبنا بالأمن تابعة بالاساس من عنصر المفاجأة والاصرار.
فكفر قاسم وافقت على دخول الشرطة الى قلبها واعتصم الناس أمام أبوابها ولم يتنازلوا عن مطالبهم بل نصبوا خيمة اعتصام وأعلنوا أنهم لن يرجعوا للحياة العادية دون أفعال وإنجازات حقيقية ملموسة.
صدقوني، تمامًا كما تلجأ امرأة وتطلب المساعدة ممن ادخلها هذا القفص من البداية "انتو اقنعتوني وانتوا دبروني ومش رح أتحرك من هون لحد ما تلاقو حل".
ولا شيء محرج للوجهاء الذين يتمتعون بالسلطة أكثر من هذا الموقف، فهي ورطة حقيقية اذا اخذوا مسؤولية واذا استخدموا صلاحياتهم ايضًا.
في الحالتين هم الخاسرون وستنكشف لعبة القوة والسيطرة وتنهار.
بالملخص، لن تفوز امرأة وحيدة بمعركة البقاء في ميدان العنف، وقضيتها يجب ان تكون قضية كل المجتمع أمام المنظومة الذكورية القامعة.
ونحن كمجتمع لن نفوز في معركة مكافحة العنف دون جعلها مطلبا جماعيا واضحا وطرح وتفكيك منظومة القهر والقمع المتأصلة في جهاز الدولة.
ليست المشكلة رجلا عنيفا واحدا ولا شرطيا متهورا واحدا بل من يقف خلفه وماذا يمثل.
كفر قاسم ليست وحيدة ولجوؤها لأحضان الشرطة لا حرج فيه ولكن دوائر العنف تعلمنا ان نناهض بقوة مع المطالب الصحيحة، وان كل مجتمع او ضحية عنف سوف يقلع شوكه بيده عاجلًا ام أجلًا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

سوريا الصخرة التي ستسد بوابة الانهيار العربي

featured

التغذية المطلوبة.. !

featured

سَأُحَدِّثُكُم عَنْ.. " جُورْج

featured

"القطرية" تؤدي واجبها الأساس

featured

لتسترد عرابة وجهها الوطني المناضل

featured

ذكرى رحيل كاسترو

featured

مشاعر الألم تلاحقنا