وكان ان أحببت وأحب شعبي على جميع فئاته، طبقاته وانتماءاته. أحبه حبا جما لم أتوان في التعبير عنه في حياتي اليومية فعلا مع القليل من القول. أحببت فيه ومن خلاله تلك الفئات التي يقال إنها شعبية وهل الشعبية تنفي المقام والمكانة الثقافية؟ فالشعبية هنا مجازا. تلك المجموعات التي تعارك الحياة وتواجهها على طريقتها دون تلعثم ورفة جفن. فهي تسيّر ذاتها ومعيّاتها برتابة يحسدها المخططون والباحثون من الأكاديميات. لا توجد لديها حسابات مع انها تمتلك وبقدرة قادر أغلب وأحدث التقنيات الاتصالاتية من الحواسيب والهواتف النقالة والحكيمة. لها حسابات بنكية وعناوين الكترونية لا تستغلها لا بل لا تعلم بوجودها. هذه الفئات تشارك في الدورة الاقتصادية كمستهلك خامل لا ينتج ولا يدفع الضرائب لكنه شريك فعال في المناسبات الاجتماعية ولا يرضى باقل من ذاك.
أحببت شعبي وشعبية فئاته، أحببت عفويتها الآتية من أزلية اللاشيء في عفوية هذا الكون. حتى الماركسية قد تكون عاجزة في وصفها لهذه الفئة لأنها لا تتبع أية قانونية في التطور الاجتماعي. لا قانون التناقضات ولا التغير الكمي ولا نفي النفي بإمكانهم ان يصفوا هذه الظاهرة. لذا أحب شعبية شعبي.
فئاتي الشعبية هذه لها العديد من المواصفات التي لا تنسجم مع عالم الأكاديمية ولا مع نسيج الأبحاث الامريكية الإمبيرية ولا مع مختبرات الاتحاد الاوروبي الذي يحاول جاهدا ادخال بعض من مدن الشرق الاوسط في مشروع ما يسمى مدن الثقافات المتعددة ومن ضمنها حيفا. أحبها.
فئاتي الشعبية هذه بتصرفها العفوي والعشوائي تعيب على العديد من تقاليد الشعوب غير الشعبية في اوروبا وشمال امريكا فعنصرها الانساني المحرك والموجّه والمقرر يفوق كل تصورات المستشرقين والمستشرقات وجمعيات الجنسانية والفيمينية. فصنع القرار في فئتي هذه يتمّ ببساطة في غرف النوم وتحديدا على فراش النوم كالملوك والعرب منهم، حيث يقرر النساء المصائر وسيرورة الأمور ليوم الغد ليس اكثر. في هذه العملية تتقزم ذكورية ورجولية الزوج ولا يبقى من ما يملكه من زوائد عضوية سوى شراكة ما في عملية النشوة لا غير. هكذا. أحببت شعبي.
فئات شعبي هذه هي امتداد لتلك الفئات التي كانت قائمة في هذه البلاد في فلسطين بأزمنتها العثمانية والانتدابية ومن ثم دولة اسرائيل، فنهج حياتها في هذه المرحلة غير مقطوع من السياق التاريخي المذكور. ففلسطين التاريخية بمدنها كعكا وحيفا واللد والرملة ويافا وبيسان وصفد وشفاعمرو كانت عامرة في مثل هذه التكوينات الطبقية-الفئوية ذات التركيبات النفسية الملازمة لها. الا ان تداخل الوضع مع قيام دولة اسرائيل وانتكاب هذه الفئات مع من انتكبوا من الفئات الاخرى من الشعب العربي الفلسطيني زاد من حالة التعقيد تركيبا اضافيا. وهنا سأذكر لماما وضعية ما يسمى بعقدة الخواجا التي تسري على جميع التركيبات المجتمعية للفلسطينيين في اسرائيل دون تمييز! فهي موجودة لدى جميع الفئات وتنخر في جلودهم حتى النخاع. عقدة تطورت عند تحول الاغلبية الى أقلية هامشية، هُمشت بحكم الواقع والقوانين الاسرائيلية. وما كان سوى ان تعمقت هذه العقدة لديها ظانة انها ستكسب رضا الأغلبية الحاكمة؟ وما يعزيني في حيّز هذه العقدة ان فئاتي هذه لا تملك منها الا القليل لتخلي المكان لتغلغلها داخل الفئات العليا الدارسة والمثقفة. فعقدة الخواجا لدى فئاتي تتسم بالعفوية ونابعة من طبقية معينة وليست من منطلقات انتهازية كما لدى الفئات شبه البرجوازية الصغيرة العربية ان جاز التعبير. أحببت شعبي...!
(حيفا)
