غادرَ حيَّنا دون أن يُعلمَ جيرانَه، وترَكَ بيتَه دونَ أن يستأذِنَ زوجتَه ولا حتّى زغب الحواصل الثَّلاثة. رحَلَ عن البيتِ على غير عادتهِ، دونَ أن يتركَ أملا أو إشارةً بعودتِه، ربَّما لأنَّه عرف أنَّ المرضَ الذي لازمَهُ، لازمَهُ الفراشَ حتَّى مجيء ساعتهِ.
لقد ظهر لنا، لاحقًا، أنَّ غيابَه طويلٌ..
حيثُ لم نعُد نراهُ يدخلُ بيتَه، أو مشعِلاً سيجارتَه على نافذتِه، صحيفةُ الاتحاد تملأُ صندوقَه البريديِّ، بعد أن تراكمَت الأعدادُ فيهِ على غيرِ عادتِه، الأمر الذي لفتَ انتباهَ الموزِّعِ وحيَّرَه، وتجمَّعت الرَّسائل الصَّوتيَّة في خزينة جوَّاله، سائلين عن سبب هذا الجفاء والاختفاء، حيثُ قُلنا كما جاء في أمثالنا الشَّعبيَّة "عُذْرُ الغائِبِ مَعَهُ" فكم تمنَّيْنا أن يكون العُذْرَ خيرًا، وأن تكون "في التأخيرِي خيري"..
لقد كنتُ استفسرُ، عبر قنواتي، عن صحَّتك بعد أن علِمتُ أنَّك داومْتَ المشفى لتُشفَى لا لتَشْفِي، فكم تمنَّيْتُ أن تتماثلَ مع العلاج عاجلا، مع أنِّي كنتُ كما كنتَ موقِنًا، بأنَّ اليقينَ سيدركُك ولن يتركَكَ سالمًا عائدًا إلى أطفالِك الثلاثة وزوجتِك وأهلِك، لأنَّ هذا المسار يؤدِّي حتمًا، إلى ذلك المصير..
سأحدِّثكم عن جورج حكمت دكور، أبي إيليَّا..
جورج الذي لنْ يسقطَ في النِّسيان..
في هذا الصَّباح تكون قد تركتَنا، ثلاثين ليلةً دامسةً أو يزيد، ملتحفًا وغارقًا في كَفنِك الأبيض لتسكنَ في كَنَفِك، فسُّوطة، تلك الأرض التي ترعرعتَ فيها وأرضعَتك من حليبِها وروَتك من ينابيعِها حتَّى الثُّمالة بالوطنيَّة والعروبيَّة دون أن تنفِي تاريخ من سبقَك على هذا الدَّرب، فكم تجاذبنا وتنافرنا في حوارنا لكنَّ جوارنا لبعض، مع بيت أهلي، كان ممغنطًا موجبًا ومتلاصقًا لهمومنا..
لقد عرفتُك، يا جورج، منذ أن سكنتَ حيفا وسكَنَ شاطِئُها في قلبكَ، فبعد أن
أنهيتَ كلِّيَّةَ الطِبِّ وتخرَّجتَ من جامعات إيطاليا، واشتغلتَ في المستشفى الإيطالي بحيفا، في قسم الأورام السَّرطانيَّة، حيث كانت ولادة معرفتنا وصداقتنا ومحبَّتِنا وتقارُبنا، خلال دراستك التَّحضيريَّة في البلاد لاجتياز امتحان الطِّبِّ الحكومي هنا، واستمرَّ النَّجاح ملازِمًا يمينكَ ومنيرًا دربك حتَّى اجتيازك تخصُّصِ جراحة العظام..
عرفتُك انسانًا دمثَ الاخلاقِ، خلوقًا، متواضعًا، مرحًا، مساعدًا، مستشارًا أمينًا ومرجعًا لي في استشاراتك الطبِّيَّة ضمن تخصُّصِك..
كلمة يجب أن تقال بحقِّ زوجكَ ميرفت، المثاليَّة، في وقفتها معك وإلى جانبِك ورعايتِكَ في جميعِ مراحل آلامكَ ورعاية الأطفال وحملِ آمالهم، تحملهم بطَرَفٍ بحنان وتَرَفٍ لا تمنع عنهم شيئًا وتناظرهم وتوجِّههم بطَرْفٍ ساهرة تحميهم تحت أجنحتها وبالطَّرَفِ الآخر تمسكُ بالحاجيَّات الغذائيَّة التي كانت قد اشترتها لبيتها، كي تضمن القوت لأهل البيت، من البقَّالة ما بين استراحة العمل، بين الظَّهيرة والمساء، وكأنَّها جملٌ حاملٌ محامله صاعدًا درجات الطَّابق الثَّالث.
سأذكرك واقفًا تمسك السِّيجارة بين إصبعيْكَ وتنظرُ من شبَّاك غرفتِكَ وتُلوِّحُ لي بيدك الأخرى "شو الأخبار". وخسارتنا كبيرة سنجدُ تعويضنا في خلفكَ، وهذا مؤكَّد، أن يكونوا خير خلفٍ لخيرِ سلف..
