بمناسبة الذكرى السنوية الـ 36 لحرب تشرين التحريرية عام 1973

single

لا تزال تعيش في ذاكرتنا ووجداننا ذكريات حرب تشرين في عام 1973 لتحرير الاراضي العربية المحتلة، منذ الحرب العدوانية التي شنتها اسرائيل على جيرانها في الخامس من حزيران عام 1967 وادت لوقوعنا تحت الاحتلال الاسرائيلي . لقد هزت حرب تشرين مشاعرنا الوطنية وافرحتنا وأملنا منها خيرا حيث اختار موعدها وزمانها قادة سوريا ومصر آنذاك. وشكلت احداثها ردا قويا على السياسة العدوانية التوسعية لحكام اسرائيل ومساندة الدول الامبريالية لهم وبشكل خاص الولايات المتحدة الامريكية.
فقد كنا آنذاك حوالي مئة شخص في السجون الاسرائيلية، من قرانا العربية السورية المحتلة. وحكمت علينا السلطة الاسرائيلية بالسجن احكاما متفاوتة مدتها وسنواتها ما بين العام والثلاثين عاما، عقابا على تأديتنا لواجبنا الوطني بقدر المستطاع ضد الاحتلال الاسرائيلي ولصالح وطننا الحبيب سوريا.
كما أحدثت تلك الحرب في نفوسنا آمالا كبيرة في الزوال الحتمي للاحتلال مهما طال عمره وزمانه، حيث امتلاء العرب فيها زمام المبادرة، ووحدة الصف واستيعاب التكنولوجيا الحربية الحديثة، ومن ثمارها تحرير مدينة القنيطرة وهي مركز محافظة الجولان، وتحرير مصر للضفة الشرقية لقناة السويس، مما مكنها من فتح القناة من جديد لعبور السفن فيها ما بين البحر الابيض المتوسط والبحر الاحمر. هذا ولم تكن تلك الحرب الحدث النضالي الوحيد بنتائجها الايجابية على الساحة العربية، بل كانت احدى حلقات سلسلة النضال الوطني المعاصر، فقد سبقها النضال الذي اجبر دول الاستعمار على الجلاء وتحرير الاقطار العربية التي كانت مبتلاة بالاستعمار، وبعد ذلك تحول النضال المسلح الى نضال سياسي ضد تورط بعض الانظمة العربية في المشاركة بأحلاف مدانة وطنيا وقوميا كحلف بغداد بقيادة بريطانيا، ومشروع ايزنهاور الامريكي لتجنيد اقطار مشرقية وعربية ضد المعسكر الاشتراكي عامة والاتحاد السوفييتي خاصة والذي كان سندا يُعتمد عليه لحركات التحرر الوطنية في العالم اجمع، وله فضل كبير في تقصير عمر الاستعمار "المباشر" واجباره على الانقلاع والرحيل.
كذلك من المكتسبات الوطنية والقومية الهامة، صمود مصر في عام 1956 ضد العدوان العسكري البريطاني والفرنسي والاسرائيلي عليها، انتقاما منها وردا على تأميمها لقناة السويس بقيادة الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر واجلاء البريطانيين اجلاء تاما عن ارض مصر. فقد استنفر ذلك العدوان الثلاثي العسكري العرب جميعا واستنكره كل الاحرار والشرفاء في العالم اجمع، وفشل ذلك العدوان فشلا ذريعا في تحقيق اهدافه. ومن المكتسبات الوطنية والقومية الهامة تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية في سنوات العقد السادس من القرن الماضي ونضالها منذ ذلك بمختلف الوسائل القتالية والسياسية، من اجل استعادة الحقوق الوطنية الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على الأسس المعترف بها من الشرعية الدولية ومبادئ منظمة الامم المتحدة الدولية وقراراتها بهذا الخصوص.
هذا وبعد حرب تشرين عام 1973 احتدم الصراع في المنطقة، حيث اجتهدت الولايات المتحدة الامريكية بشكل خاص ودول امبريالية اخرى لنسف العلاقة الكفاحية التي كانت قبل حرب تشرين بين مصر وسوريا. وذلك تمهيدا لتصفية الثورة الفلسطينية والتضامن العربي، وضمان امن اسرائيل وتمكين سيطرتها وتجهيز نفسها لمواجهة الاحتمالات المستقبلية، ولهذا تم احتواء مصر واخراجها من ساحة الصراع مع اسرائيل. وساعدها على تحقيق مبتغاها افتقار الرئيس انور السادات للشعور الكافي بالمسؤولية القومية، فقد تصرف كمصري فقط وليس كعربي ايضا ورئيس لاكبر الدول العربية التي هي الشقيقة مصر. وهذا كان مفاجئا جدا ومتعارضا مع خط ثورة 23 تموز 1952 ونهجها العروبي القومي الاصيل بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. فقد ادار الرئيس انور السادات ظهره تماما لمسؤوليته العربية واقام سلاما منفردا مع اسرائيل بموجب اتفاقية "كامب ديفيد" للسلام المصرية الاسرائيلية، وبدون ان تتضمن نصا صريحا موقعا عليه من اسرائيل وامريكا بان اسرائيل كاملة الاستعداد للجلاء والانسحاب الكامل من كامل الجولان والضفة الغربية وقطاع غزة فيما اذا قررت سوريا والفلسطينيون الاقتداء بمصر واقامة سلام مماثل مع اسرائيل.
وعندما انعقد المؤتمر الدولي للسلام في العاصمة الاسبانية مدريد عام 1991 برعاية الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي آنذاك، شاركت سوريا فيه بعد ما تأكدت بان مقررات ذلك المؤتمر ستتضمن الانسحاب الاسرائيلي التام من الاراضي السورية والفلسطينية المحتلة منذ حزيران عام 1967 وتحقيق السلام العادل القابل للحياة والاستمرار.
وقد ترأس الوفد الاسرائيلي الى ذلك المؤتمر رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك يتسحاق شمير ووافق على مشروع السلام الذي انبثق عن ذلك المؤتمر كسواه من رؤساء الوفود العربية، لكنه بعد ان عاد الى اسرائيل ندم على ذلك وانقلب موقفه رأسا على عقب، مما عطل الشروع باجراءات مشروع السلام الذي تبنّى مقايضة الاراضي العربية التي احتلتها اسرائيل في حرب 1967 بقيام سلام طبيعي بينها وبين جيرانها العرب. وبعد مضي عدة سنوات على انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، تم اغتيال رئيس الحكومة الاسرائيلية آنذاك، "يتسحاق رابين" بيد يهودية اسرائيلية في وسط مدينة "تل ابيب" لانه على ما يبدو ابدى رغبة صادقة بالتجاوب مع مرجعية مؤتمر مدريد للسلام العربي الاسرائيلي الذي تجدد طرحه من جديد بعد اتفاق "اوسلو" الذي تم التوقيع عليه بين الفلسطينيين واسرائيل.
والتفسير الطبيعي لتنفيذ هذه الجريمة الشنيعة، هو الاطماع التوسعية لدى جميع الاحزاب الصهيونية بشكل عام، فهي تناور في الظهور وكأنها مع السلام، وبنفس الوقت تريد الاحتفاظ بغالبية الاراضي الفلسطينية والسورية المحتلة منذ عام 1967، خاصة بعدما انفردت الشقيقة، العربية الكبرى مصر بالصلح مع اسرائيل، وساعد على تشبث الاسرائيليين بموقفهم هذا، الخلل الذي احدثه انهيار الاتحاد السوفييتي وحلف وارسو الذي كان يضم دول شرق اوروبا الاشتراكية فقد كان الاتحاد السوفييتي خاصة وبقية الدول الاشتراكية عامة يشكلون سندا يُعتمد عليه للقضايا العربية العادلة وكان بينهم وبين العديد من العواصم العربية احسن العلاقات التي تصب في صالح العرب وحقوقهم الوطنية المشروعة، فهذه التطورات السلبية استفادت اسرائيل منها، والاكثر فائدة من ذلك لها هو احتضان امريكا لاسرائيل منذ نشأتها في عام 1948 الى يومنا هذا. فان التعنت الاسرائيلي وعدم انصياع الحكام الاسرائيليين لمطلب السلام العادل، سببه اطماعهم التوسعية، واعتمادهم على الدعم الامريكي الدائم لهم مع دول امبريالية اخرى، زد على ذلك الاداء الخاطئ والضعيف للعديد من الحكام العرب والقصد من ذكر ذلك والتذكير به هو انه على الجماهير العربية واحزابها القومية والتقدمية مضاعفة جهدها من اجل تغيير الواقع العربي الحالي نحو الافضل. فلا يجوز استمرار الخلاف بين الفلسطينيين "فتح وحماس" حيث لا يستفيد من هذا سوى اسرائيل.
كذلك لا يجوز عدم تفعيل المشروع العربي الوحدوي، فهو الكفيل بتغيير موازين القوى لمصلحة الامة العربية. وبمجرد الشروع الصادق بالعمل من اجل تحقيق هذا المشروع الهام والعظيم، يبدأ حكام اسرائيل ومن يساندهم في العالم، يفكرون بتغيير سياستهم نحو العرب ولصالح السلام الحقيقي الذي يعطي كل صاحب حق حقه بدون نقصان. فقد اصبح عددنا نحن العرب اكثر من 250 مليون انسان في الـ 22 دولة عربية الممتدة ما بين الخليج العربي شرقا والمحيط الاطلسي غربا، فلماذا لا نسعى لاقامة اتحاد عربي مشابه للمشروع الاتحادي الاوروبي على الاقل.
فهم ليسوا مثلنا امة واحدة ولا يتكلمون لغة واحدة مثلنا، بل هم متعددو القوميات واللغات ومع ذلك قطعوا مسافة طويلة الى الامام على طريق اتحادهم الاوروبي، ونحن محتاجون للاتحاد اكثر منهم بمئات المرات. فهكذا اتحاد عربي لا يتم على حساب احد منكم ايها الحكام العرب، بل من شأن ذلك ان يزيدكم طمأنينة لان الجماهير ستثمن ذلك عاليا لمصلحتكم وتضمر لكم المودة والاحترام، لانكم بذلك تسرّعون المسيرة العربية بالاتجاه الصحيح الذي يغير موازين القوة لصالح العرب، ويعجل بتحقيق نهضتهم الحضارية المنشودة في كافة المجالات.

 

(مجدل شمس - الجولان العربي السوري المحتل)

قد يهمّكم أيضا..
featured

سئمت حديث المعلقين والمعلقات عن مؤامرات إسرائيل وأمريكا!

featured

بخصوص إسرائيل...

featured

تهديدات نتنياهو ومصيرية المعركة

featured

ليبيا... لا رأيَ لحاقن

featured

إلى الرفيقات والرفاق المغيَّبين إعلاميًا والحاضرين ميدانيًا

featured

المدارس الأهلية... قلاع وطنية يجب الحفاظ عليها

featured

زفّة قوميّة بلا كوابح