المدارس الأهلية... قلاع وطنية يجب الحفاظ عليها

single

*كان للمدارس الأهلية الدور الهام بعد الاحتلال لملء الفراغ العلمي والثقافي الذي حصل

* المدارس الأهلية الثانوية الداخلية في الناصرة للبنات خدمت المجتمع العربي كله

* المدارس الأهلية كانت "دفيئة" للحفاظ على اللغة العربية وعلى التراث القومي

* المدارس الأهلية خدمت الجميع، مسيحيين ومسلمين ودروزًا



تحاول الحكومة اليمينية في إسرائيل ضرب المدارس الأهلية عن طريق تقليص الميزانيات التي هي من حقها بل تستحق أكثر منها، بحيث تخلق عجزًا ماليًا عندها يمنعها من الاستمرار في خطها الاستقلالي أو يجعلها خاضعة لإملاءات وزارة المعارف، وهذا يدخل ضمن سياسة التجهيل الممنهجة ضد شعبنا.
إن هذه المدارس تعتبر قلاعًا وطنية شامخة بما تخرِّجه سنويًا من طلاب متفوقين يصلون الى جامعات إسرائيل والخارج ويتعلمون مواضيع نوعية ترفع من مستوى شعبنا كله. والاستقلالية التي تتمتع بها هذه المدارس ببرامجها اللامنهجية الثقافية الوطنية تغذي المواقف الوطنية لشعبنا الذي يعتبر العلم والتراث والأدب العربي سلاحه الأول في الوقوف أمام سياسة التمييز والعدمية القومية ومن هنا جاء استهداف هذه المدارس والتأثير على دورها التاريخي.
إن الدور الثقافي والقومي للمدارس الأهلية في مدينة الناصرة في تنشئة أجيال متعلمة ازداد أضعافًا بعد الاحتلال عام 1948 عما كان عليه أيام الانتداب البريطاني.
في عهد الانتداب البريطاني كان جهاز التعليم العربي من أرقى الأجهزة في العالم العربي وكان يديره رجال ونساء تربية وتعليم أكفاء وقادرون وعندما حلت النكبة بشعب فلسطين لجأت معظم الطبقة المثقفة من معلمين ومديرين ورجال أعمال متمولين إلى الدول العربية وخاصة الى الأردن التي للفلسطينيين الفضل في بناء جهازها التعليمي بسبب خبرتهم في هذا المجال وأيضًا في بناء اقتصادها ومصارفها.
في هذه الأجواء السلبية القاتمة التي سادت مدينة الناصرة ومعظم المناطق العربية في إسرائيل من حيث شح الإمكانيات وقلة في المعلمين المؤهلين ومستوى التعليم المتردي برز الدور الريادي الهام للمدارس الأهلية في مدينة الناصرة حيث تحولت هذه المدارس الى قبلة أنظار العرب جميعهم وتحولت مدينة الناصرة الى العاصمة التعليمية للعرب في إسرائيل ويكفي أن نشير إلى بعض الحقائق باختصار.
• مدرسة تيراسانطا في الناصرة كان فيها قسم داخلي له الفضل في استيعاب مئات الطلاب من كل أنحاء البلاد من النقب والى أعالي الجليل وتخرج منها من أشغلوا بعد ذلك مناصب شتى ومن ملأوا الفراغ في جهاز التعليم مستقبلًا... مدرسة تيراسانطا كانت تعلم اللغة الإنجليزية من الصفوف الدنيا وكانت تعلم اللغة العربية على مستوى عال وفق المنهاج والكتب اللبنانية وكان أحد مدرسي اللغة العربية فيها الشاعر حبيب قهوجي أحد مؤسسي "جماعة الأرض" الذي تعرض للملاحقة وترك البلاد... خريجو تيراسانطة بمن أشغلوا ويشغلون الآن هم الشهادة على هذا الرقي لمدرسة تيراسانطة.
• مدرسة راهبات مار يوسف الثانوية للبنات خرجت مئات الطالبات على مدار سنوات منهن تعلمن في القسم الداخلي من كل أنحاء المثلث والجليل وأصبحن بعد ذلك معلمات قديرات في قراهن والمدرسة تشمل مدرسة ابتدائية.
• الأمر ينطبق أيضًا على مدرسة راهبات الطليان (الفرنسيسكان) التي كان فيها قسم داخلي له الفضل في تخريج المئات من الطالبات من قرى وادي عارة والجليل أصبحن معلمات فيما بعد... إن مدرستي مار يوسف والفرنسيسكان لهما الفضل في بناء أجيال من المعلمات اللاتي ملأن الفراغ في قراهن لكي تتواصل المسيرة التعليمية لشعبنا التي تأخرت بفضل الاحتلال.
• المدرسة المعمدانية الثانوية ما زالت مستمرة منذ ذلك الحين بتزويد شعبنا بأفواج من الخريجين والقسم الأكبر منهم يواصل تحصيله الجامعي في اختصاصات هامة لشعبنا وهي الآن خرجت الفوج الواحد والستين من طلاب الثاني عشر.
• مدرسة السالزيان المهنية، كان لها الفضل بتخريج أفواج أصحاب المهن في النجارة والحدادة كانوا طليعة مسيرة بناء شعبنا المتجددة بعد الاحتلال.
• المدرسة الإنجيلية (ابتدائية) كانت مدرسة ابتدائية نوعية على مستوى عالٍ والمدرسة الإنجيلية الحالية هي استمرار لها حيث توسعت وأصبحت ثانوية نوعية تحتل مكانًا مرموقًا بين المدارس.
• المدرسة الثانوية البلدية... هي كانت في عهد الانتداب واستمرت بعد الاحتلال كأهم مدرسة في مدينة الناصرة حيث استوعبت مئات الطلاب من مختلف القرى في المثلث الشمالي وفي الجليل الذين استأجروا غرفًا في الناصرة للمبيت وكثيرون من خريجيها أصبحوا بعد ذلك معلمين ومديرين في قراهم ويكفي أن نذكر أن المرحوم الشاعر رائد حسين وشاعرنا الكبير المرحوم سميح القاسم وغيرهم من رجالات المجتمع وأعضاء كنيست هم من خريجيها.
• مدرسة المطران (الأكليركية) ينسب النجاح فيها للأب إميل شوفاني حيث ازدهرت المدرسة في عهد إدارته لها... تأسست متأخرة نسبيًا بعد المدارس التي ذكرناها ولكنها اكتسبت موقعًا هامًا بين المدارس وأصبحت مدرسة نوعية وبما أن المنافسة في العلم هي منافسة إيجابية فإن دخول مدرسة المطران الى ساحة التعليم أشعل المنافسة الإيجابية ولا نقاش بأن المدرسة تتناوب على احتلال المركز الأول بين مدارس الناصرة الثلاث الأولى.
لسنا هنا في مجال الاستعراض والتوثيق وتوجد مدارس ثانوية أهلية أخرى لها نصيب في المسيرة الثقافية مثل راهبات المخلص وغيرها.
مدرسة المطران وغيرها من المدارس الأهلية استمرت في استيعاب طلاب من مختلف المناطق العربية في إسرائيل.
لا توجد إحصائية دقيقة عن عدد الطلاب والطالبات العرب من الناصرة ومن خارجها الذين تخرجوا من المدارس الأهلية تحديدًا وأي مناصب وأي اختصاصات وأي مهن أشغلوا بعد ذلك وأي خدمات قدموا لمجتمعنا وساهموا في تطويره الى أن وصل الى ما هو عليه الآن.


*مدارس أهلية توقفت ولم تكمل المسيرة*


• مدرسة "الفرير" – كانت مدرسة نوعية عالية المستوى خرجت أفواجًا من الخريجين امتازوا بثقافتهم وإلمامهم باللغة الفرنسية... العديد من خريجيها أشغلوا مناصب فيما بعد ومنهم من أكمل المسيرة في الجامعات الفرنسية.
• مدرسة راهبات الناصرة: كانت ابتدائية وثانوية ولها دور بارز في مجال التعليم توقفت ولم تكمل المسيرة.
• بالمقابل المدرسة الإنجيلية التي كانت ابتدائية توسعت وأصبحت مدرسة ثانوية ناجحة ومزدهرة.
تصوروا معي لو لم تكن هذه المدارس كيف كان سيكون الوضع بدونها؟.. أو تخيلوا معي ماذا سيحدث لو أفقنا صباحًا وكان في انتظارنا قرار بأن المدارس الأهلية لن تفتح أبوابها في السنة الدراسية 2016-2015 وسوف تتوقف عن تقديم خدماتها التعليمية لشعبنا بسبب سياسة الحكومة المجحفة تجاهها.
أعتقد أن هذا الأمر سيكون بمثابة هزة أرضية تضرب مدينة الناصرة وآلاف العائلات التي لا تجد مقعدًا دراسيًا لأبنائها لأن توفير التعليم للطلاب هو من اختصاص الحكومة ومن ميزانيتها وتقوم البلدية بهذه المهام كواسطة للحكومة.
تصوروا أي مهمة شاقة هي توفير ألآلاف من المقاعد الدراسية ومن المعلمين والمعلمات بعد أن تغلق المدارس الأهلية أبوابها... أي أن المدارس الأهلية تقوم بأدوار هي من شأن الحكومة والبلدية وهي تقوم بخدمة توفر عليهما هذه المهام والمفروض أن تكافأ عليها لا أن تحرم وتعاقب.


*مدارس أهلية مسيحية تخدم الجميع*


في الناصرة ما يقارب 15 مؤسسة أهلية تعليمية مسيحية ولكن المستفيدين منها ليس المسيحيون وحدهم ولا توجد في الناصرة مدرسة إسلامية واحدة على الرغم من أن ثلثي سكان الناصرة هم مسلمون.
على مر السنوات تخرج آلاف الطلاب المسلمين من المدارس الأهلية وتوجد الآن بعض المدارس الأهلية التي تصل نسبة الطلاب المسلمين فيها الى 75%... نقول هذا الكلام لكي يتجند الجميع في النضال من أجل استمرار المدارس الأهلية في تقديم خدماتها التعليمية من منطلق قومي جماعي يدافع عن وجودنا الثقافي ومستوانا التعليمي.
إن المدارس الأهلية كانت معقلًا وحصنًا لإحياء التراث الفلسطيني الأصيل واستضافت النشاطات والفعاليات والندوات الوطنية وكانت مصانع تخرج الرجال الوطنيين الأشداء البأس في مقارعة التمييز في الجامعات محصنين بالعلم وبالكرامة القومية.
أرى ويرى معي كثيرون بأن قياداتنا الوطنية في الكنيست وخارجها لم ترتق الى مستوى الحدث ولم تعطه حقه من الاحتجاج الفعلي الذي يجب أن يملأ الأرجاء ويشغل المحافل المحلية والدولية.
هذه الحكومة اليمينية يسعدها كثيرًا أن يـتأخر شعبنا في مجالات التعليم وهي تهمل كل ما من شأنه أن يخدم التعليم العربي في هذه البلاد وتعطي الجوائز والنياشين للمديرين العملاء المهملين الذين  بعضهم يعينون بالواسطة وليس حسب الكفاءات.
إن قضية المدارس الأهلية وقضية الغبن التاريخي الذي يعاني منه التعليم العربي في البلاد تستحق من لجنة المتابعة ومن لجنة متابعة التعليم العربي تخصيص جلسات تتخذ فيها القرارات والإجراءات الفعالة احتجاجًا ومظاهرات وغيرها تضع قضية التعليم العربي برمته على بساط بحث الدولة.
في المدارس اليهودية يفاخرون بأن لكل طالب حاسوبًا وفي مدارسنا ما زالوا في تخشيبات وبراكيات في النقب والطالب لا يجد مقعد يجلس عليه في صفوف تعد أكثر من 40 طالبًا ولا نستطيع توفير مقعد لكل طالب.



*إغلاق المدارس الأهلية ضربة اقتصادية للناصرة*



إذا أغلقت المدارس الأهلية أبوابها فإن آلاف الطلاب سيجدون أنفسهم بدون مقعد دراسة ولا تستطيع لا بلدية الناصرة ولا وزارة المعارف ولا أي قوَّة مهما عظم شأنها أن تجد بديلًا لهؤلاء الطلاب في يوم وليلة.
إن المدارس الأهلية قادرة على إدخال الجميع على هذه التجربة لأسبوع واحد أو لأسبوعين... او الى شهر حتى تصل الى حل ينقذ الوضع المتردي.
ولكن لا ننسى أيضًا أن المدارس الأهلية بمجموعها تعتبر أحد المشغلين الكبار في مدينة الناصرة إذ يفوق عدد العاملين فيها بين معلمين وموظفين ومساعدات وعاملين وعاملات عن الألف مما يعني أن أكثر من ألف عائلة تعتاش من المدارس الأهلية.
حتى من منطلق العمالة والبطالة والتشغيل يجب أن تأخذ المدارس الأهلية بعدًا آخر على صعيد دولة إسرائيل.
نحن نرى تعامل الدولة والحكومة مع حالات تهديد إغلاق بعض المصانع اليهودية في النقب التي تشغل مئة أو مئتي عامل نرى كيف تقوم الدنيا ولا تقعد وكيف يحج السياسيون الى تلك المدينة التي يتهددها إغلاق مصنع.
يتسابق الوزراء والهستدروت وأحزاب المعارضة لمساندة العمال وبالتالي يرصدون الأموال لمنع إغلاقه.
إن المدارس الأهلية تعيش الآن مرحلة التهديد بالإغلاق أو تعيش وضعًا مشابهًا إذا استمر قد يقود إلى الإغلاق الذي يهدد كل العاملين فيها بالبطالة تمامًا مثل مصانع النقب التي يتراكض الوزراء لمنع إغلاقها.
إن قضية المدارس الأهلية تبرز التمييز الواضح في التعامل بين اليهود والعرب ولكن على المدارس الأهلية بما لها مع علاقات مع مؤسسات دينية خارجية تستطيع أن تستغل هذا الوضع وتعمل على المزيد من التجنيد العالمي لصالح قضايانا.
كل ما ذكرناه عن المدارس الأهلية في مدينة الناصرة ينطبق على كافة المدارس الأهلية في إسرائيل في حيفا ويافا والقدس وعبلين وغيرها.. ولكن الناصرة هي دائمًا العنوان.
إن السجل الحافل للمدارس الأهلية جميعها منذ العام 1948 حافظ على وجودنا القومي كعرب في إسرائيل وقاوم سياسة التجهيل ولذلك فإن معركة هذه المدارس من أجل البقاء والاستمرار يجب أن تكون معركة  الجميع للحفاظ عليها كقلاع وطنية شامخة... تخرج شبابًا مشبعين بالعزة والكرامة والقومية.
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

لماذا أغفل المؤرخون "انتفاضة مارس التاريخية" المظفَّرة عام 1955

featured

وحدة الأهداف والبرامج السياسية، لا وحدة الكراسي

featured

قيّدوا إيران، لنفكّ أسر فلسطين!

featured

جرائم التكفير ومسؤولية واشنطن

featured

لإسقاط حكومة الكوارث

featured

انفلات بوليسي بتعليمات "عُليا"!