حين تتحوّل قوّات الاحتلال إلى نمور من ورق

single

  • ما الذي كشفته إحدى وثائق "ويكيليكس" عن إحباط جيش الاحتلال من النضال السلمي الفلسطيني؟
  • ماذا قال الجنرال الاسرائيلي لدبلوماسيين أمريكيين عن قمع المظاهرات الفلسطينية السلمية؟
  • بماذا اعترف مسؤول كبير في وزارة "الأمن" حول النضال الفلسطيني "على نمط المهاتما غاندي"؟
  • كيف جعلت مجموعة مناضلات ومناضلين فلسطينيين ضباط وجنود الاحتلال يرتبكون ولا يقْوون على استعمال أي سلاح أو قوة؟
  • ولماذا يخاف الاحتلال الاسرائيلي من الأيدي المناضلة الخاوية من السلاح، أكثر من أيّ سلاح؟


 

تكشف إحدى الوثائق السرية التي نشرها موقع "ويكيليكس" أن إسرائيل الرسمية تخاف من المقاومة الشعبية السلمية. بل ان ضباطها يشعرون بالإحباط امام النضال الفلسطيني غير العنيف، ولا يعرفون كيفيّة مواجهته.
عنوان الوثيقة هو: "الجيش الاسرائيلي يخطط لوسائل أكثر قسوة مع مظاهرات الضفة الغربية"، وقد كتبها نائب رئيس البعثة الدبلوماسية الأمريكية في اسرائيل لويس مورينو، تلخيصًا لاجتماع عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين مع "قائد المنطقة الوسطى" الجنرال الاسرائيلي آفي مزراحي، بتاريخ 4 شباط 2011 في تل أبيب.
تقول الوثيقة: "عبّر الجنرال مزراحي عن الإحباط من المظاهرات المستمرة في الضفة الغربية، والتي يعتقد أنه يتم تنسيقها لغرض زيادة التوتر". والمقصود هنا هو المظاهرات ضد جدار الفصل العنصري في قرى بلعين ونعلين والنبي صالح وغيرها.
وتضيف الوثيقة الأمريكية: "مزراحي، الذي تضم المنطقة التي يتولى المسؤولية عنها الضفة الغربية كلها ومركز اسرائيل، يحذّر من أن الجيش الاسرائيلي سيصبح أكثر صرامة في كيفية مواجهة هذه المظاهرات، حتى تلك المظاهرات التي تبدو سلمية".
وتقتبس قوله إنه "بعد زيارة هذه المظاهرات المسمّاة سلمية، لم يعرف حول ماذا كانت".. معتبرًا أن القرى التي تشهد مظاهرات "لم تكن قريبة من الجدار ولم تواجه مشاكل في التحرّك او مع مستوطنين".. وهذا كذب طبعًا لأن الجدار التهمَ ارضها وزيتونها. هل يفهم الجنرال عمق ومعنى حبّ الفلسطينيّ لزيتونه؟ لا أظنّ!
مزراحي لم يكتفِ بالتفاهات المُضحكة المذكورة أعلاه، بل زعم وفقًا للوثيقة نفسها "أن القرويين الفلسطينيين أيضًا لا يعرفون سبب المظاهرات، بل كانوا يتظاهرون لأن هناك من قال لهم أن يفعلوا ذلك"..
كذلك، فالجنرال "حذّر أنه سيبدأ بإرسال سيارات عسكرية محملة بالمياه القذرة لكسر هذا الاحتجاج، حتى لو لم يكن عنيفًا، لأنه احتجاج لا يخدم أي هدف فيما عدا خلق احتكاكات"، وفقًا لتعبيره. وتوضح الوثيقة: "المقصود بالمياه القذرة هو المادة الكيماوية التي يصنّعها الجيش الاسرائيلي وتحمل رائحة تشبه رائحة الظربان". (وفقًا لموسوعة ويكيبيديا: الظربان حيوان يتميّز بالرائحة الكريهة التي تخرج من غدة توجد في مؤخرته). وقد استخدمت قوات الاحتلال هذه الطريقة القذرة فعلا ضد مظاهرات، وكان شارك في إحداها رئيس الحكومة الفلسطينية د. سلام فياض الذي تقول الوثيقة الأمريكية انه تعرّض لرشّ تلك "المياه القذرة".. يبدو أن هذه هي الصورة الرمزية الدقيقة لرائحة العقلية العسكرية الاسرائيلية.
الوثيقة تتحدث أيضًا عن اجتماع لضباط اسرائيليين مع مسؤولين أمنيين فلسطينيين حذّروا فيه من أن عدم قمع تلك المظاهرات سيدفع جيش الاحتلال الاسرائيلي الى القيام بذلك. وتقتبس قول مزراحي إن "المظاهرات يخططها أشخاص مشبوهون" وأنه "يخطط لاعتقال منظمي المظاهرات التي لا تخدم أية غاية سوى تحريض السكان"، حسب رأيه العبقري..
مورينو، المسؤول الأمريكي الذي أعدّ الوثيقة السريّة يعلّق بالقول: "يبدو أن المظاهرات غير العنيفة تُسبب الاحباط للجيش الاسرائيلي". وهو يقتبس المسؤول الكبير في وزارة "الأمن" الجنرال المتقاعد، عاموس غلعاد "الذي قال لمسؤولين في الحكومة الأمريكية مؤخرًا: نحن لا نعرف جيدًا كيفية التعامل مع غاندي"، في إشارة الى نهج النضال غير العنيف الذي قاده القائد الهندي الكبير المهاتما غاندي ضد الاستعمار البريطاني في وطنه.
هذه الوثيقة كان يُفترض أن تخرج من إطار "السريّة" في 2.12.2020 وفقًا لإشارة في اعلاها، ولكن موقع "ويكيليكس" الذي يناضل لأجل حق الناس في المعلومة والمعرفة، وفّرها للجمهور العام قبل أن تُطوى صفحات أيامنا الراهنة. المهم فيها هو أن سادة السياسة والعسكر الاسرائيليين يعترفون بأنهم يصلون آخر حدود قوّتهم المدجّجة حين يواجههم الفلسطيني بأساليب احتجاج غير عنيفة وغير مسلّحة. فهم خبراء متمرّسون في عالم السلاح وأدوات القتل والدمار، لكن كل خبرتهم تسقط كقلعة من ورق أمام ما يمكن أن تبتدعه الأيدي المناضلة الخالية من السلاح.

  • *ركّاب الحرية يفاجِئون!*


هكذا بالضبط وقف عناصر جيش وشرطة الاحتلال يوم الاثنين الماضي. فقد فاجأهم شباب فلسطيني خطّط لمواجهتهم بقمة السلمية ولكن بقمة الذكاء والحزم أيضًا. إنها مجموعة "ركّاب الحريّة" التي قرّرت اعتلاء حافلة اسرائيلية مخصصة حصريًِا للمستوطنين،  في طريقها من الضفة الغربية الى القدس. أحد المشاركين هو بديع دويك من الخليل وقد حدّثني هاتفيًا، مساء أمس الأول، عن الخطوة الجريئة:
تم "طبخ" الفكرة منذ فترة والإعلان عنها ولكن من دون أية تفاصيل عن المكان والموعد. خلاصة الأمر هي نزع القناع عن نظام الابرتهايد الاحتلالي الاسرائيلي الذي يخصّص شوارع ووسائل مواصلات لمستوطنين غير شرعيين، ولكنه يمنع ذلك عن الفلسطينيين. يوم الإثنين الماضي ظهرًا وصلت المجموعة الفلسطينية الى موقف باصات قرب مستوطنة "بسجات زئيف" برفقة صحفيين ونشطاء فلسطينيين وأجانب واسرائيليين. وصل الباص الأول فرأى السائق حشدًا من الناس "الغرباء" بعضهم يضع الكوفيات وبعضهم يرتدي قمصانًا كُتب عليها تعابير غريبة عن هذا الحيّز الاحتلالي-الاستيطانيّ الاسرائيليّ مثل: "عدالة" و "حرية"، فتابع السير.. "لوّذ ولم يتوقّف"، كما يقول بديع ضاحكًا.
بعد نحو نصف ساعة وصل باص آخر، توقف فاعتلته المجموعة الفلسطينية. كانوا ستة ناشطات وناشطين وكذلك صحفيّين ومصوّرين، ومعهم ناشط اسرائيلي "تخفّى كمستوطن" اذا ما اقتضت الحاجة.. يقول بديع: أخرجتُ بطاقة الهوية حيث أضع فيها نقودي، وحين رأى السائق أنها خضراء (لون هوية أهلنا فلسطينيي الضفة) رفض تلقي أجرة السفر رغم إلحاحي المتكرّر وطلب مني بإلحاح مغادرة الباص.. فتركته ودخلت وجلست. بعد دقائق توقف الباص واعتلاه عنصر حرس حدود أخذ يطلب الهويات. أعطيته هويتي فسألني عن تصريح. قلت له: لا حاجة لتصريح، أنظر الى المستوطنين، أيحتاجون لتصريح؟! حاول أكثر لكنّي كرّرت ما قلت. فترك الجندي الباص بعد أن أعاد الهويات وتابع الباص طريقه لمدة ربع ساعة الى ما قبل حاجز حزمة، دون الدخول الى منطقة القدس.
هنا، صعدتْ الى الباص مجموعة حرس حدود، وجاء إليّ أحدهم – يتابع بديع – وهو عربي.. حاول "بأدب كبير" إقناعي بالنزول من الباص لكني رفضت. وكرّر مسألة التصريح لكنّي رفضت وقلت له: إعتقلني إذا أردت! وأكدتُ له أن القانون الدولي يضمن لي حرية التحرّك لكن اسرائيل هي دولة عنصرية وأنا لا اعترف بقانونها العنصري.
هنا، يقول بديع، تركونا وتابع الباص طريقه الى داخل منطقة القدس، وبرأيي أنهم ارادوا ذريعة لاعتقالنا بدعوى عدم حيازتنا تصاريح بعد منطقة الحاجز. ولكن مرة أخرى حاولوا اقناعنا بترك الباص فرفضنا حتى انزلونا بالقوة، ومن دون أية مقاومة منا.. أخذونا الى مركز شرطة "عطروت" واحتجزونا للتحقيق ولكننا رفضنا قول أي شيء في التحقيق بل طلبنا التوجه الى محامينا (غابي لاسكي). استمرّ هذا لساعات ولم يكن أمامهم سوى إطلاق سراحنا.

  • *صورة بهيّة للمقاومة*


وسائل الاعلام بمختلف اللغات نقلت النشاط. الكاميرات على اختلافها وثّقت ونقلت الصور والحدث الى مختلف وسائل الاعلام. أحد المناضلين وضع جهاز تصوير مخفيّ على جسده وتم بثّ الحدث مباشرة عبر الانترنت. (بديع تلقى رسالة قصيرة على هاتفه وهو في الباص من صديقه الذي يعيش في فرنسا ومفادها: كل الاحترام أنا أتابع ما تقومون به). شهود العيان وصفوا سلوك قوّات الاحتلال المرتبك العصبيّ فاقد الحيلة بكثير من السخرية. هؤلاء النشطاء والنشيطات نقلوا للرأي العام والضمير العالمي صورة مبسّطة ولكن شديدة الوضوح عن حالة الأبرتهايد التي يفرضها الاحتلال الاسرائيلي. فعلوا هذا من دون أية طلقة، ولا صاروخ، ولا أية بادرة عنف. لم يكن بوسع سلطات الاحتلال إخراج "بعبع" الإرهاب الممجوج كي تمارس ما هي متمرّسة فيه من بطش وقمع وقتل وهمجيّة. لقد وقفتْ صفرَ اليدين أمام مناضلات ومناضلين واجهوا الوحش الفولاذي الاحتلالي الاسرائيلي بأيدٍ خاوية وإرادة قويّة.هذه هي المقاومة الشعبية السلميّة بأبهى صورها.
أعتقد أنه لو سئل الجنرال مزراحي عن هذا الحدث فمن المرجّح انه كان سيعبّر عن إحباطه بكثير من الخيبة. ولو عُرض الأمر على الجنرال غلعاد لكان سيرى فيه ملامح من نضال المهاتما غاندي غير العنيف وكان سيقول مرة أخرى "نحن لا نعرف جيدًا كيفية التعامل مع هذا"! وهذا بالضّبط ما يجدر ويحسن القيام به: تحويل الدبابة والكتائب العسكرية المدججة بأدوات القتل والدمار الى كاريكاتير كرتونيّ، وإلى نمور من ورق! فهذه إحدى الصياغات المُشرقة الأمثل لفكرة أن قوّة الحق ستظلّ قادرة على هزيمة أيّ حق مزعوم للقوّة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

"لوين" نحن ذاهبون !!

featured

مستنقع الحكومة والتلويث الاستيطاني

featured

منطقة كارثة على بعد ساعة من تل ابيب

featured

قصة الفيتو الأول

featured

المماطلة: لعنة أم بركة!

featured

هل تستعد غزة الصمود والتصدي لتسطير ملحمة البطولة بهزيمة المعتدين !؟

featured

هذا الحزب وهذه الجبهة