*صِدْق صوت هؤلاء النساء البطلات في فيلم نادين لبكي، هو ما جعل رجال القرية، يقفون في نهاية الفيلم، في مقطع مدهش بقوته، يلتفتون الى نسائهم ويسألونهن "وهلأ لوين ؟"، لعبة "الذكورية" لم تنجح هنا!*
// "وهلأ لوين".. مقولة اصبح لها عندي معنى مختصره: "ان من واجب من اختار ان يقود الناس ان يعرف "لوين" هو قائدهم..."
انه اسم لفيلم سينمائي جميل جدا وقوي جدا اخرجته اللبنانية نادين لبكي، شاهدته قبل عدة شهور، اشتريته بعدها، وصرت أشاهده كلما شعرت بغصة مما يحدث حولي... حين احدث احدا عن هذا الفيلم –ما افعله كثيرا- اقول : "بان مخرجة هذا الفيلم عبقرية.. عبقرية بطريقة طرحها فكرتها.. عبقرية لانها جعلتني اضحك وابكي معا.. افرح واحزن معا.. جعلتني اغضب.. وأهدأ.. المخرجة نادين لبكي جعلتني اقول في كل مرة اشاهد فيلمها "بأن عندنا نحن النساء قدرة اكثر من خارقة لاحداث التغيير في مجتمعاتنا.. وهذا جميل.. وهذا يدعو الى التفاؤل.. وهذا يجعلني اشعر بالقوة..".
الفيلم يقول انه فقط من يحب مجتمعه حقا، هو وفقط هو من يستطيع ان يقود.... الفيلم يقول انه فقط من يستطيع ان يفكر بالجميع وليس بنفسه، هو وفقط هو من يستطيع ان يقود... الفيلم يقول انه فقط من يخاف على بلدته والاجواء التي تسودها، هو وفقط هو من يستطيع ان يقود.. فيلم "وهلأ لوين" لا يتحدث عن نوع القيادة المتمثلة بملء المناصب المختلفة.. لان باستطاعة بل من واجب كل واحدة وكل واحد بغض النظر عن الدور الذي يملأه ان يقود من حوله الى اجواء افضل.. انسانيا.. واجتماعيا.. ووطنيا..
تدور احداث هذا الفيلم في قرية لبنانية يعيش اهلها مسلمون ومسيحيون حياة عادية.. في ظل حرب اهلية مجنونة في مناطق لبنان الاخرى، النساء "العاديات" "البطلات" في هذه القرية، يترصدن لكل فكرة طائفية ممكن ان تخترق اجواء القرية، فهن يعرفن ان في قريتهن، كما في كل مكان، من السهل للافكار الضيقة والمتخلفة ان تسيطر على اهلها.. هكذا هم الناس.. عندنا هنا ايضا....
النساء في هذه القرية آخر ما كان يهمهن مصالحهن الشخصية.. هن يعلمن كما لا يعلم الجميع ان لا شيء يسوى كالعيش بسلام ومحبة واحترام.. احدى النساء قتل ابنها في هذه الحرب.. فقدت اغلى ما عندها.. تألمت كما لم يتألم احد في قريتها، الا انها ترفعت عن ألمها، ونهضت وقاومت حتى منعت ونساء القرية الاخريات استشراء الطائفية في قريتهن، هي استطاعت ذلك لانها عرفت كيف تحب قريتها واهلها جميعا، تماما كما عرفت كيف تحب ابنها، هذا الحب ليس مفهوما ضمنا، فليس بمقدور أي احد ان يحب غيره كما يحب نفسه، او حتى اقل من ذلك بكثير..
صِدْق صوت هؤلاء النساء البطلات، هو ما جعل رجال القرية، يقفون في نهاية الفيلم، في مقطع مدهش بقوته، يلتفتون الى نسائهم ويسألونهن "وهلأ لوين ؟"، لعبة "الذكورية" لم تنجح هنا!! لم يقل الرجال الكلمة الاخيرة لمجرد كونهم رجالا.. الرجال في الفيلم لم يفكروا سوى بأنفسهم ولهذا كان لا بد من منع تأثيرهم، الناس في هذه القرية كانوا بحاجة كما في كل مكان لمن يبحث فعلا عن الحقيقة، بحاجة الى من يقودهم الى مكان افضل.. بغض النظر عن جنسه او دينه..
تحية كبيرة الى كل من يحلم من أجل الجميع اينما كان.. والى اصحاب الفكر الضيق ومن يفكرون بأنفسهم فقط اقول: اجلسوا جانبا، اظهروا اقل... وتكلموا اقل.. احفظوا انفسكم واحفظونا.. زماننا لا يتسع لكم.. نحن لسنا بحاجة لكم.. نحن بحاجة الى من يقول الحقيقة بقوة ووضوح..
كتب الاديب الروسي تولستوي عن الفن "الفن نشاط انساني يقوم على ان ينقل احدهم الى الآخرين عن وعي وباشارات خارجية معروفة مشاعر احسها فينفعل الآخرون بها ويعانونها"*.. نادين لبكي مخرجة فنانة.. وفيلمها انتاج فني ورائع..
(*)الاقتباس من كتاب "كيف حملت القلم" – حنا مينا.
